Call us: +3 (800) 2345-6789 | 7 Days a week from 9:00 am to 7:00 pm

كهرباء ريف حلب.. استثمارات بسطوة تركية

يديرها متنفذون منتفعون
AK Energy Al Bab syria
مدينة-الباب-بريف-حلب

يكشف التحقيق عن انتهاكات اقتصادية في ملف الكهرباء في مناطق شمال سوريا الخاضعة لسيطرة الحكومة المؤقتة و”الجيش الوطني”، عبر استثمارات غامضة ومتشابكة بناء على عقود استثمار لصالح شركات تركية الترخيص، تصب أرباحها لصالح شخصيات أجنبية أو سورية مرتبطة بها.

وتظهر عقود استثمار أنها لا تخضع لضوابط الرقابة والحوكمة، وتتم بطرق غير مشروعة.

ومن خلال تتبع نشاط تلك الشركات ومالكيها، تبين أنها تفتقر إلى الشفافية المالية، مع التأثير المحتمل لكيانات أجنبية (تركية) في عملية صنع القرار والسيطرة على الموارد.

ويصل تداخل المصالح من خلال التتبع إلى استفادة إحدى الشركات من خدمات أحد فصائل “الجيش الوطني” الذي تخضع بعض كياناته وقياداته لعقوبات أمريكية.

شركة “AK Energy”.. أتراك وسوريون موالون لتركيا  

بين 2018 و2019، أبرمت المجالس المحلية في ريف حلب الشمالي عقودًا مع شركتي “AK Energy” و”STE Energi” لاستجرار الكهرباء من مصدر تركي.

تعد “AK Energy” الأولى من نوعها في المنطقة، بحسب تعريف الشركة عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، وصاحبة الحصة الأكبر في إيصال الكهرباء جغرافيًا في ريف حلب الشمالي الشرقي بموجب اتفاقية “توليد وتوزيع وإيصال الطاقة الكهربائية” المبرمة مع المجالس المحلية.

تأسست في 1 من حزيران 2017، وفقًا لقانون تنظيم وتخصيص قطاع الكهرباء التركي ضمن ترخيص رقم “9123455” الممنوح من غرفة الصناعة والتجارة في ولاية غازي عينتاب التركية، بحسب الموقع الذي لم يُظهِر أي ترخيص آخر في ولاية تركية ثانية.

 Energy
ترخيص شركة “AK Energy” في “جريدة السجل التجاري” الرسمية في تركيا

وتظهر “جريدة السجل التجاري” الرسمية في تركيا، ترخيص الشركة في ولاية كلّس جنوبي البلاد، ويظهر اسمها الكامل ” AK ENERGY ELEKTRİK ENERJİSİ TEDARİK TOPTAN SATIŞ LİMİTED ŞİRKETİ” وتعني “شركة AK ENERGY لتوريد الطاقة الكهربائية بالجملة والاستيراد والتصدير المحدودة”، برقم تسجيل “4599” ضمن عدد الجريدة الصادر في 14 من شباط 2018، كما يؤكد ذلك موقع “اتحاد الغرف وبورصات السلع في تركيا” الحكومي.

خليل ابراهيم.. نشاط متعدد بدعم تركي

تعود ملكية “AK Energy” للسوري خليل إبراهيم بنسبة 31% والأسهم الأخرى يمتلكها مواطنون أتراك، وهم: رجب شوبان بنسبة 20%، وحسن تتر بنسبة 25%، وياسين يوجيل بنسبة 24%، بحسب تقرير لموقع “Paramevzu” التركي، إلا أن موظفًا في إدارة الشركة تحدث لفريق التحقيق مشككًا بهذا التوزيع للنسب، ومؤكدًا أنها “تقريبية لا أكثر”.

تكريم والي كلّس التركية رجب سوي ترك لخليل إبراهيم- 30 من آذار 2021 (الصفحة الشخصية لعضو مجلس إدارة
شركة “AK Energy” وأحد أصحاب الترخيص فيها (فيس بوك – لقطة شاشة)

من خلال رصد فريق التحقيق لحسابات خليل إبراهيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر بأن الرجل يشرف على عدة مشاريع استثمارية في المنطقة.

وبالإضافة إلى استثماره بشركة “AK Energy” وعضويته في مجلس إدارتها، فهو يدير ويملك مستشفى “اعزاز” الأهلي.

يملك خليل إبراهيم أيضًا، المتخصص بمجال الصيدلة، استثمارًا في مؤسسة “الرسالة” وهي “منظمة إنسانية غير حكومية، غير ربحية، غير سياسية”، تعمل في مجال جمع التبرعات “لتأمين الاحتياجات الإغاثية في مخيمات النازحين داخل سوريا”، مقرها ولاية كلّس التركية، بحسب موقعها الإلكتروني الرسمي، ويديرها أخوه مازن إبراهيم، وهو ما يؤكده موظف في الإدارة، تحفظت سيريا انديكيتور على ذكر اسمه لدواع أمنية.

تم تعقّب العاملين في شركة “AK Energy” عبر المصادر المفتوحة في مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تحديد هوية الشركاء الآخرين الذين يمتلكون حصصًا في ملكية الشركة، لم يتسن الوصول إلى معلومات تؤكد قطعًا هوية تلك الأسماء، ومع ذلك، تم التعرّف على عاملين يشغلون حاليًا مناصب إدارية في “AK Energy”، وقد سبق لهم العمل كموظفين في مؤسسة “الرسالة” عبر موقع “لينكد إن”، هذه الملاحظة تعزز أقوال الموظف حول ارتباط ملكية “الرسالة” بخليل إبراهيم.

موظفة في شركة “AK Energy” كانت تشغل سابقًا وظيفة مترجمة في مؤسسة “الرسالة” لصاحبها خليل إبراهيم (الحساب الشخصي للموظفة عبر “لينكد إن” التقاط صورة شاشة)
عضو مجلس إدارة شركة “AK Energy” وأحد أصحاب الترخيص فيها خليل إبراهيم داخل مقر الرئاسة التركية 25 من تشرين الثاني 2020 (فيس بوك – لقطة شاشة)

بحماية “عاصفة الشمال”

وتظهر نشاطات خليل ابراهيم الموثقة عبر صفحته الشخصية في “فيس بوك” تقربه من الحكومة التركية، حيث “يحظى بدعم من تركيا، وفي زياراته إلى سوريا يرافقه رتل عسكري من قبل لواء “عاصفة الشمال، الذي يتقاضى نسبة عن هذه الحراسة، بالإضافة إلى أنه يحرس مقرات الشركة أمنيًا من السرقات”، ويتبع لواء “عاصفة الشمال” إلى “الفيلق الثالث” في “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، وهو ما أكده أحد موظفي إدارة الشركة لفريق التحقيق.

ويعزز وجود الروابط بين لواء “عاصفة الشمال” والشركة، تولي قائد اللواء صالح عموري أكثر من مرة مهمة اللقاء مع المحتجين في مدينة اعزاز بريف حلب على رفع الأسعار، مهددًا بقطع الكهرباء إذا استمرت الاحتجاجات.

قائد لواء عاصفة الشمال يتدخل لوقف المظاهرات ضد شركة AK Energy – مدينة اعزاز بريف حلب (المصدر: شبكة اعزاز نيوز – تلغرام – لقطة شاشة)⁩

للتأكد من المعلومات، وجهت سيريا انديكيتور أسئلة لقائد  لواء “عاصفة الشمال”، صالح عموري، لكنها لم تحصل على ردّ حتى لحظة نشر التحقيق.

وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 17 من آب 2023، عقوبات على شخصيات وكيانات تتبع الجيش الوطني الذي يتبع له لواء “عاصفة الشمال”، وهي فرقة “السلطان سليمان شاه” وقائدها محمد الجاسم (أبو عمشة)، وشركة سيارات تابعة له في اسطنبول، وشقيقه وليد الجاسم، وفرقة “الحمزة” وقائدها سيف بولاد (أبو بكر) شمالي سوريا، لارتكابهم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو تواطؤهم فيها، في منطقة عفرين شمالي حلب.

 الوقائع المذكورة استدعت توجيه أسئلة لخليل إبراهيم، للتأكد من صحتها، ومدى تقرّبه ودعمه من قبل الحكومة التركية، فضلًا عن تنسيقه الأمني مع “لواء عاصفة الشمال”، لكنه لم يستجب بتقديم أي توضيح.

تنازع على اسم “AK Energy”

تواجه شركة “AK Energy” تنازعًا قضائيًا مع الشركة التركية “AKENERJİ” التي تحمل اسمًا تجاريًا مشابهًا، بدأت أنشطتها كمجموعة إنتاج آلي في مجموعة شركات “Akkök” في عام 1989، وتواصل وجودها في القطاع كشركة مستقلة لتوليد الكهرباء منذ عام 2005.

أعلنت “AKENERJİ” البدء بإجراءات قانونية بحق الشركة العاملة في الشمال السوري، مع طلب إصدار أمر قضائي مؤقت من أجل كشف ومنع ووقف التعدي على العلامة التجارية والمنافسة غير المشروعة، وإلغاء تسجيل الاسم التجاري، ومنع نقل الملكية إلى أطراف ثالثة.

وصرّحت الشركة التركية لـ”منصة الإفصاح العام” (KAP)، وهي نظام إلكتروني تركي يتم من خلاله إرسال الإخطارات المطلوب الكشف عنها للجمهور، وفقًا لتشريعات سوق المال والصرف وإعلانها للجمهور بالتوقيع الإلكتروني، بعدم وجود أي نشاط لها في المنطقة، وبعدم وجود أي صلة لها مع الشركة العاملة في الشمال السوري.

وفي حال ألغي تسجيل الاسم التجاري الخاص بشركة “AK Energy”، قد تتوقف الرخصة الخاصة بها فيما يتعلق بتوريد الطاقة “Tedarik Lisansı” الممنوحة لها من قبل “هيئة تنظيم سوق الطاقة” التركية، لمدة 20 عامًا.

“STE Energi” على خطى “AK Energy”

تتقاسم شركة “AK Energy” مع شركة “STE Energi حاليًا سوق الطاقة والكهرباء في ريف حلب الشمالي.

بدأت شركة “STE Energi” عملها في الشمال السوري بشكل منظم بتوقيع عقد مع المجلس المحلي لصوران، في 6 من نيسان 2019، بعد أن تركزت أعمالها سابقًا على موضوع المولدات الخاصة فقط.

ويعد “STE” اختصارًا للاسم الكامل للشركة “STE Elektrik Enerjisi Tedarik Toptan Satış İthalat İhracat Limited Şirketi”، ويعني “شركة توريد الطاقة الكهربائية بالجملة والاستيراد والتصدير المحدودة”.

تمتلك الشركة رخصة توريد للطاقة “Tedarik Lisansı”، وتصدّر الكهرباء إلى الشمال السوري بطريقة تغذية المنطقة المعزولة عبر خط نقل الكهرباء بين مدينة الريحانية في ولاية هاتاي جنوبي تركيا ومدينة عفرين شمالي حلب السورية.

قرار “هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية” منح شركة “STE”
رخصة توريد لمدة 20 عامًا (المصدر: Enerjigunlugu)

وأوضح بيان لـ”هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية”، في 16 من تموز 2021، أن شركة “STE” تقدمت بطلب من أجل زيادة الكهرباء المصدّرة إلى سوريا من 20 ميجاواطًا حتى 30 ميجاواطًا.

وبحسب موقع “Enerjigunlugu” التركي، في 15 من كانون الأول 2019، منحت “هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية” شركة “STE” رخصة توريد لمدة 20 عامًا.

والقائمون على الشركة، رجال أعمال وأصحاب شركات إنترنت ومقاولات، بينهم مؤيد علي حميدي وضياء مصطفى قدور ومحمود أحمد قدور، ويقيمون في تركيا.

منفذ خدمات لشركة STE بمدينة عفرين بريف حلب (المصدر: صفحة الشركة على فيسبوك)

أسعار وأرباح بلا ضوابط 

تشهد مدن ريف حلب الشمالي والشرقي، احتجاجات متكررة على سياسة تحديد سعر اشتراك الكهرباء، وقطع التيار الكهربائي المتكرر عن المنطقة، كما تصدر بيانات عن المجالس المحلية التي جرى التعاقد معها رفضًا لسياسة التسعير، وآخرها بيان عن المجلس المحلي برأس العين، اعتبر فيه قرار “AK Energy” رفع الأسعار من طرف واحد مخالفًا للعقود الموقعة مع الجهة المحلية.

سألت سيريا انديكيتور مدير العلاقات في شركة “AK Energy”، محمد عيد المدني، عن طبيعة عمل الشركة في الشمال السوري، ومعايير ضبط أسعارها والمستثمرين فيها، فأجاب أن “الشركة هي من تحدد الأسعار وتتغير كل فترة، كونها شركة ربحية ملك لأصحابها”.

وأشار المدني إلى أن “الأرباح تصب لمصلحة أولئك الأشخاص الذين يملكون رؤوس الأموال في الشركة”.

حاول فريق العمل مواجه الجهة التركية المسؤولة عن ترخيص شركة “AK Energy” واتخاذ القرارات المتعلقة بتحديد أسعار اشتراك الكهرباء في الشمال السوري، وتحديد بنود العقود مع المجالس المحلية، لسؤالها عن طبيعة عمل الوالي المسؤول عن مناطق ريف حلب الشمالي الشرقي بما يخص ملف عقود استجرار الكهرباء من تركيا إلى داخل تلك المناطق، وكيفية تنظيم وضبط استثمار الشركات في المنطقة من قبل الولاية التركية، ووفق أي منهجية، لكن أيًا من الاستفسارات لم يتم الرد عليها حتى لحظة نشر هذا التحقيق.

 “تتبدل الأسعار كل فترة، ويتهمها الأهالي بالمزاجية من خلال تقدير رفع الأسعار، هذه الأسعار مبالغ فيها بشكل كبير، والفروق كبيرة بين الأسعار هنا والمصدر في الداخل التركي، مع الأخذ بالاعتبار مصاريف الشركة والصيانة بالشبكة، إلا أن ذلك لا يبرر تضاعف الأسعار”، وفق ما ذكره الناشط عمر ناصر (32 عامًا، اسم مستعار لدواع أمنية) لـ “سيريا انديكيتور”، إذ لكل ولاية تركية تعرفة خاصة بها بما يخص اشتراك الكهرباء ضمن إشراف شركات متعددة.

يعتمد المشتركون في مبدأ التشغيل على عدادات إلكترونية مسبقة الدفع، ضمن آلية اختارتها الشركتان، يتم تعبئة تلك البطاقات في مقرات الشركة ضمن الدوام الرسمي فقط، وتقتضي دفع المشترك رسم اشتراك قيمته 200 ليرة تركية بالإضافة إلى ثمن العداد.

وتشهد أسعار الكهرباء للكيلوواط الواحد للاشتراك المنزلي والتجاري ارتفاعًا مستمرًا يتخلله انخفاض طفيف أحيانًا، وتباينًا بين شركة وأخرى دون أسباب واضحة، ما أدى إلى تزايد الضغوط المجتمعية ضد المجالس المحلية وشركتي الكهرباء.

في نيسان الماضي، أصدر مجلسي اعزاز والباب في ريف حلب تعميمًا موجهًا لشركة “AK Energy”، مطالبًا بتعديل أسعارها أو فسخ العقود المبرمة بين الطرفين، من خلال طرح خيارين أمام الشركة، يقضي الأول توحيد سعر الاشتراك لجميع الفئات والشرائح بـ2.63 ليرة تركية لكل كيلوواط، ويقضي الثاني باعتماد سعر 2.37 ليرة تركية للاشتراك المنزلي والمؤسسات الحكومية، و3.76 ليرة للاشتراك التجاري، و4 ليرات للاشتراك الصناعي.

احتكار واستغلال لظروف “النزاع”

يقول موظفون وناشطون التقاهم التحقيق، إن العقود الموقعة مع “AK Energy” و”STE Energi” مشوهة واحتكارية، إذ تم قتل المنافسة في هذا القطاع، وجعل المنطقة رهينة لهاتين الشركتين وما تفرضهما عبر “سياسة الأمر الواقع”، وهو ما أكده الناشط في الشأن العام ضمن منطقة الباب، عمر ناصر.

ومن المشكلات التي تظهر تغوّل الشركتين، رفض دفع ما يستوجب من حصة الأرباح للمجالس المحلية، بحسب ما أكده مدير المكتب القانوني في المجلس، المحامي سعيد عكاش لسيريا انديكيتور.

ويفترض أن يحصل المجلس على نسبته 8.5 بالمئة من الأرباح التي تحصل الشركة، حسب ما أفاد به المدير القانوني، مشيرًا إلى أن النسبة كانت قبل رفعها مؤخرًا لا تتجاوز 4 بالمئة.

الشركتان تنتميان إلى القطاع الخاص، لهما شخصية اعتبارية في تركيا بحكم أنهما تمارسان نشاطًا تجاريًا في تركيا بالدرجة الأولى، وهو شراء الكهرباء من الشركات التركية وتغذية الشبكة في داخل الشمال السوري، وأسهم الشركتين موزعة بين سوريين وأتراك، وهدفهما الربح.

“العقود الموقعة مع المجالس المحلية تحتوي على هفوات ونقاط ضعف عدة ما كان يجب تمريرها والموافقة عليها بالأساس”، وفق ما يراه الباحث الاقتصادي السوري مناف قومان، والذي أعد ورقة بحثية بعنوان “ملف عقود الكهرباء في مناطق المعارضة: التحديات وسبل المعالجة”.

يعتقد الباحث الاقتصادي أن هذه الطريقة في العمل والاستثمار هي “أحد تجليات اقتصاد النزاع والاحتكار، واستغلال حاجة المجتمع المحلي لخدمة ما وبيعها له بسعر مرتفع”، وفق ما ذكره لـ”سيريا انديكيتور”، وهنا تقع على عاتق المجالس المحلية مسؤولية دراسة العقود والبحث في التشريعات المناسبة لمصلحة الناس لاعتماد العقد الأفضل بالسعر المناسب للاقتصاد المحلي، وليس التوقيع على عقود لاستجرار خدمات فحسب، لأن “العقود تضمن حقوق الشركة أكثر من حقوق المجلس المحلي”.

هل تستطيع المجالس فسخ العقود

مطالبة المجالس المحلية بتخفيض سعر اشتراك الكهرباء للكيلوواط الواحد مبنية على التزام هذه المجالس بـ “التعرفة الأساسية المحددة من المصدر”، وفق ما قاله مدير المكتب القانوني في المجلس المحلي لمدينة اعزاز سعيد عكاش لسيريا انديكيتور، و”هذه التعرفة يضاف إليها نسبة الهدر ونسبة الأرباح والرسوم، والشركة لا تلتزم بهذا السعر، بل تضع أسعارًا أعلى بكثير”.

أضاف عكاش، بأن المجلس المحلي في المدينة “رفع بالفعل دعوى فسخ عقد والدعوى قائمة ومنظورة أمام محكمة البداية المدنية في مدينة اعزاز، ولدينا أكثر من بند تم اختراقه من قبل الشركة ولدينا أدلة كثيرة على ذلك”.

لكن “الفسخ شروطه صعبة وغير ممكنة حاليًا”، بحسب ما يعتقد المحامي محمد حاج عبدو، وفي نفس الوقت “لا يمكن تعديل بنود العقد حاليًا”، فشروط فسخ العقد تكمن في مخالفة شروطه الكثيرة، لكن “مخالفة السعر ومخالفة الجودة هما المشكلة، السعر يحدد من الولاية التركية”، كون شركات الكهرباء العاملة في المنطقة مرخصة في تركيا، وبالتالي، فإن أسعارها تحدد من هناك. 

شركات خارج الرقابة والمحاسبة

عدم تثبيت أسعار اشتراك الكهرباء الذي يعاني منه سكان ريف حلب الشمالي، يأتي نتيجة غياب الالتزام القانوني بالإفصاح عبر تقديم معلومات وبيانات محاسبية منتظمة عن نتائج أعمال شركات الكهرباء ومركزها المالي، فضلًا عن عدم خضوع تلك البيانات لفحص بواسطة مراجع خارجي، كجزء مهم من الإجراءات الرقابية على الأصول المستخدمة في الشركات وأماكن تواجدها، بما في ذلك الإجراءات المحاسبية.

ماذا يقول القانون السوري؟
تنص المادة رقم “150” من المرسوم التشريعي رقم “29” لعام 2011 (قانون الشركات السوري) على أن من واجبات مجلس إدارة الشركة اعتماد سياسة الإفصاح الخاصة بالشركة، ومتابعة تطبيقها وفقًا لمتطلبات تعليمات الإفصاح الصادرة عن هيئة الأوراق والأسواق المالية.
ونص قانون إنشاء هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية رقم 22 لعام 2005 في المادة الثالثة منه على حماية المواطنين من الممارسات غير العادلة أو التي تنطوي على احتيال أو غش أو تدليس، وأعطى القانون للهيئة صلاحية تنظيم ومراقبة الإفصاح الكامل عن المعلومات المتعلقة بالأوراق المالية، كما ألزمت التعليمات التنفيذية لهذا القانون الصادرة عام 2006، أن يكون الإفصاح المالي عامًا وللجمهور، وليس فقط لحملة الأوراق المالية والمستثمرين، وذلك من خلال الصحف اليومية.

ويحرص القانون على التزام الشركات بالإفصاح المالي لحماية المتعاملين معهم، كأحد شروط ضمان تكافؤ الفرص والقضاء على محاولات التلاعب والغش في سوق توزيع الكهرباء في المنطقة.

لا تدعم المواقع الرسمية الإلكترونية الخاصة بشركتي “AK Energy” و”STE Energi” أي خيارات تفاعلية مع الجمهور لعرض البيانات المالية الخاصة بنشاط الشركتين، أو توفير وسيلة للوصول إلى تلك البيانات، أو حتى نشر بياناتهما المالية في أي صحف محلية ضمن المنطقة كما يقتضي القانون السوري.

سألت “سيريا إنديكيتور” ما إذا كانت شركة “STE Energi” تعتمد نموذجًا محددًا للإفصاح عن المعلومات المحاسبية يستند إلى إحدى نظريات الإفصاح المحاسبي، لكن لم يتلقَ فريق التحقيق أي رد من قبل الشركة.

وواجهت “سيريا إنديكيتور” تحديًا معقدًا في توجيه أسئلتها لشركة “AK Energy”، إذ تحدث فريق التحقيق مع المدير المالي للشركة رامي المحمد، بهدف الاستفسار عن الشفافية المالية، لكنه لم يُجِب عن الأسئلة، وأشار إلى أنه ينبغي مناقشة تلك الأمور مع مديري الفروع والمحاسبين في ريف حلب الشمالي الشرقي.

راجع التحقيق عددًا من إداريي وموظفي الفروع، وأجاب معظمهم، بأن هذه المواضيع خارج اختصاصهم أو لا يملكون الإجابات عليها.

استثمار يفتقد لبيئة قانونية ملزمة

كمثال للمعلومات الواجب توافرها في الإفصاح المالي، كما ذكرت التعليمات التنفيذية لقانون هيئة الأوراق والأسواق السورية، البيانات المالية وتقارير مفتشي الحسابات، وهي من أهم مصادر المعلومات التي تعطي للجمهور والمستثمر معرفة شاملة للمركز المالي للشركة وأعمالها.

يرتبط الإفصاح بشكل خاص مع مفهومي الشفافية والتضليل، وهذا يضع على عاتق الملتزم بالإفصاح أن يتعهد بتقديم المعلومات وإيصالها بشكل دوري، إلى الجهات الرقابية، حتى في الحالات الاستثنائية في حال لم تكن مؤسسات الحوكمة ذو كفاءة عالية وكاملة.

لكن أيًا من تلك الالتزامات القانونية لا يتم الأخذ بها بعين الاعتبار خلال نشاط شركات الكهرباء في الشمال السوري، على الرغم من إشرافها على مشاريع ضخمة كعملية توريد الكهرباء.

ولا يوجد في المنطقة ما يحكم مشاريع الاستثمار الأجنبي، وفق ما قاله مدير المكتب القانوني للمجلس المحلي لمدينة عفرين المحامي محمد حاج عبدو والمشرف على العقود مع شركة “STE Energi” لسيريا إنديكيتور، فيتم إضفاء سطوة اقتصادية على المنطقة، في الوقت الذي يجب تطبيق القوانين السورية في جميع هذه الملفات.

“بصراحة الأتراك لا يعتبرون من أجانب في الشمال”، وفق ما قاله المشرف على العقود.

يسمح القانون رقم 32 لعام 2010 السوري للقطاع العام وللقطاع الخاص الوطني والمحلي والعربي والأجنبي بالاستثمار في مجالي توليد وتوزيع الكهرباء داخل الأراضي السورية، ويلتزم المرخص له بأحكام هذا القانون والشروط المحددة في الرخصة، ولا يترتب على منح الرخصة أي حق احتكاري في النطاق الجغرافي لأي من المرخص لهم.

لكن في الشمال السوري، تتولى المجالس المحلية مسؤولية منح حقوق استغلال الشبكة الكهربائية، ويعمل كل مجلس بشكل مستقل عن المجالس الأخرى وعن “الحكومة السورية المؤقتة” التي تغيب عن الإشراف على هذا الملف.

ويبلغ عدد سكان المنطقة نحو مليوني نسمة (درع الفرات – غصن الزيتون – نبع السلام)، بحسب إحصائية “وحدة تنسيق الدعم” الصادرة في كانون الثاني 2022.

سطوة الوالي التركي

حجزت الشركات التركية مقعدها في سوق الطاقة في ريف حلب بحكم تبعية المنطقة للولايات التركية الحدودية، ويأتي اهتمام تركيا بإعادة تأهيل شبكة الكهرباء وإمداد المنطقة بها من الانخفاض النسبي في الكلفة والعائد الفوري، فعلى عكس الحال في قطاعات أخرى، ما زالت البنية التحتية الخاصة بالكهرباء ممكنة التشغيل، ويمكن للاشتراكات المدفوعة أن تغطي كلف الإمداد بالكهرباء مباشرة، بالإضافة إلى ذلك، أظهر القطاع الخاص التركي إقبالًا أكبر على الاستثمار في هذا القطاع، موفرًا بذلك على أنقرة تفاصيل إدارة شؤون الطاقة.

يمنح الوالي التركي المسؤول عن المنطقة الحق في نقل الكهرباء إلى ريف حلب من خلال إطلاق مناقصة عامة تكون متاحة حصرًا للشركات التركية، وعلى الرغم من أن الوالي يفترض أن يكون وسيطًا بين إدارة المجالس المحلية والشركات المتقدمة للمناقصة، إلا أنه عمليًا يتصرف بشكل مستقل كمُصدِّر للقرار، وفي المرحلة الأخيرة، يتم “استدعاء المجلس (المحلي) لإضفاء طابع رسمي على الاتفاقية مع الشركة المختارة”، وفق ما قاله المحامي محمد حاج عبدو.

صورة من رسالة فريق التحقيق في “سيريا إنديكيتور” للبريد الإلكتروني الخاص بولاية كلّس

يوجد أكثر من 340 مشروعًا ضمن مشاريع التعافي الاقتصادي المبكر في ريف حلب الشمالي الشرقي، بواقع 45% من إجمالي المشاريع التي شهدتها مناطق شمال غربي سوريا، ومن ضمنها 24 مشروعًا خاصًا بقطاع الكهرباء، شملت ترميم وإصلاح أعمدة وشبكة الكهرباء وتركيب أعمدة وكابلات كهربائية، ونصب أعمدة إنارة تعمل على الطاقة الشمسية، وفق تقرير صدر في نيسان 2022، رصد مشاريع التعافي المبكر في المنطقة خلال النصف الثاني من 2021.

وبغياب أي سلطة تشريعية أو رقابة مالية ملزمة، يمكن لشركات الاستثمار التجاري في المنطقة الانخراط بسهولة في أي مجموعة من العمليات المشبوهة بسبب البيئة الفوضوية التي تعمل فيها، قد تشمل المخالفات المالية والاختلاس، أو الفواتير الاحتيالية والتلاعب بالأسعار، أو عمليات تقديم العطاءات غير المشروعة، أو التواطؤ مع جماعات مسلحة، وجميع تلك العمليات تؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

تحقيق: صالح ملص 

  • ساهم في التحقيق مراسلون صحفيون من ريف حلب جرى إغفال أسمائهم لأسباب أمنية
المقالات ذات الصلة