Call us: +3 (800) 2345-6789 | 7 Days a week from 9:00 am to 7:00 pm

شركاء الخراب

سيريا انديكيتور تتعقب لصوص آثار إدلب..
لوحة فسيفساء في متحف إدلب الوطني (خاص - سيريا انديكيتور)
تحقيق يستقصي طرق تهريب الآثار والاتجار بها في إدلب شمال غرب سوريا، وفساد المؤسسات الحكومية السورية في ملف الآثار، ويعتمد على مقابلات مع متخصصين، ومراسلات مع مؤسسات معنية بحفظ التراث، وتقارير منظمات دولية ومؤسسات حكومية.

بالقرب من الطريق الدولي دمشق – حلب (M5) شمال سوريا، دخل مصعب (اسم مستعار) ومجموعة مؤلفة من 7 أشخاص للتنقيب في موقع كنيسة بابولين، الواقعة على بعد 1 كم عن قرية بابولين جنوب مدينة معرة النعمان في محافظة إدلب.

خلال ساعات تمكن مصعب مع المجموعة من إخراج مشهدي فسيفساء، الأول لطائر طاووس، والثاني مشهد نباتي.

استخدمت  المجموعة التي تنشط في التنقيب بغرض الاتجار بالآثار أدوات بدائية تتضمن مطارق وأدوات قص الحجارة، والإسفلت المذاب المستخدم في تزفيت الطرقات، واستطاعوا فصل المشهدين عن لوحة الفسيفساء الأم التي اكتشفت عام 2007 في أرض زراعية.

شكلت اللوحة أرضية لكنسية بازليك مساحتها أكثر من 400 متر مربع تعود للقرن السادس الميلادي، وهي واحدة من الكنائس المنتشرة في المنطقة. اكتشف الكنيسة واللوحة الفسيفسائية منقبون عشوائيون، اقتصوا منها عدداً من المشاهد، وشوّهوا معظم اللوحة، وبقيت فيها مشاهد أخرى، كما تظهر الصورة العامة للوحة والمخطط بعد عدة أيام من اكتشافها.

في العام الذي اكتشفت فيه اللوحة، وضعت دائرة آثار المعرة يدها على الموقع الأثري وردمته ليكون متحف موقع.

صورة اللوحة الفسيفسائية في كنيسة بابولين عند اكتشافها- تظهر أعمال التخريب نتيجة الأعمال الزراعية والتنقيب العشوائي عام 2007 (سيريا انديكيتور – خاص).

السعر بحسب المشهد

يُعرف المشهد في اللوحات الفسيفسائية القديمة بأنه جزء مصور يتضمن أشكالاً لإنسان أو حيوان أو نبات.

يعمل المنقبون وتجار الآثار على استخراج مشهد أو أكثر من اللوحة، ويمكن أن يكون المشهد مستخرجًا من وسط اللوحة أو من أحد أطرافها ما يؤدي لتشويهها.

وتختلف قيمة المشهد بحسب نوعيته، بحسب تاجر الآثار أبو خالد (اسم مستعار)، “المشاهد البشرية هي الأعلى سعراً ثم المشاهد الحيوانية فالنباتية، وبيع أحد المشاهد البشرية المستخرج من لوحة فسيفسائية في ريف إدلب بمبلغ 50 ألف دولار في العام 2013” .

تضم لوحة بابولين مشاهد لمطاردات الحيوانات المفترسة، وزخارف نباتية وأشكالًا هندسية، ونقشًا كتابيًا واضحًا يوثق اللوحة، وزينت أرضيتها بجرار كبيرة تتناظر عن جانبيها ومشاهد لطواويس.

نقل مصعب ورفاقه المشهدين إلى بلدة تلمنس في ذات اليوم، بعد اتفاقهم مع أحد التجار على بيع المشهد الواحد مقابل 1000 دولار.تُعرف بلدة تلمنس الواقعة شرق معرة النعمان بأنها مقر تجارة الآثار في محافظة إدلب منذ زمن بعيد، يعتمد تجارها على خبرتهم العملية في تقدير ثمن اللقى الأثرية الناتجة عن التنقيب العشوائي، فضلا عن خبرتهم في كشف المواقع الأثرية بتحليل الإشارات والاعتماد على أجهزة مسح التربة، وصولاً إلى خبرتهم الأكبر على مستوى سوريا في استخراج اللوحات الفسيفسائية وإعدادها لنقلها خارج سوريا.

قال مصعب لسيريا انديكيتور، “بعت اللوحتين لتاجر يدعى أبو بشار، ثمن قليل مقارنة بالعام السابق، إذ بعت لوحة واحدة استخرجتها من البارة بذات الحجم بمبلغ 5 آلاف دولار. حجة أبو بشار أن تهريب القطع الكبيرة إلى تركيا أصبح صعباً مقارنة بالتماثيل الصغيرة أو العملات النقدية الذهبية والفضية”.

في إدلب ما يزيد عن 1000 موقع أثري تعود لحقب زمنية مختلفة، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ حتى الفترة الإسلامية المتأخرة، بحسب أيمن نابو مدير مركز آثار إدلب، أسس نابو ومجموعة من آثاريي محافظة إدلب متخصصون المركز منذ عام 2013، بهدف حماية المواقع الأثرية وتوثيقها، بعد سيطرة مجموعات من المعارضة المسلحة على  أجزاء من المحافظة.

وأدرجت اليونيسكو 5 تجمعات أثرية على لائحة التراث العالمي عام 2011، منها كنيسة “قلب لوزة” في جبل السماق شمال إدلب التي بنيت في القرن الخامس الميلادي، ومنها استوحى المعماريون تصميم كنيسة نوتردام في باريس .

لوحتا بابولين.. إلى تركيا ثم الإمارت 

المشهد الأول من لوحة بابولين (سيريا انديكيتور – خاص).

نتيجة الكم الكبير من اللوحات الفسيفسائية المكتشفة في إدلب قبل عام 2011، وتخزينها في المستودعات، وقلة الاهتمام من المديرية العامة للآثار والمتاحف بالمكتشفات الأثرية، بحسب أحد العاملين السابقين في دائرة آثار معرة النعمان، أطلقت الدائرة فكرة متاحف المواقع، إذ تبقى اللوحة المكتشفة في موقعها بدل نقلها إلى مستودعات المتاحف وتعرضها للإهمال والرطوبة. تجري الدائرة أعمال ردم اللوحة وحفظها إلى أن تخصص الوزارة ميزانية لتأهيل الموقع، وعرض اللوحة في موقعها مع الظروف الطبيعية المحيطة بها، كما حال لوحة بابولين.

بعد عملية التنقيب الأولى عام 2014، أعاد مركز آثار إدلب ردم اللوحة وحفظها وجرى توظيف حارس لحمايتها.

المشهد الثاني من لوحة بابولين (سيريا انديكيتور – خاص).

تاجر الآثار أبو بشار قال لسيريا انديكيتور إنه على صلة بتاجر آثار سوري في مدينة أنطاكيا التركية، “تولى التاجر إخراج المشهدين من إدلب إلى ريف حلب الشمالي، ومنه إلى تركيا بسيارة لنقل الحجر السوري الأبيض الذي يصدر إلى دول الخليج، ومنها ذهبت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث بيعت هناك لأحد الأثرياء عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.

قبل العام 2011، كانت الآثار مصدر دخل لبعض الأشخاص، إذ يجري التنقيب العشوائي بسبب امتداد الآثار على كافة جغرافيا إدلب وضعف حماية الآثار، فموقع كفر البارة المدرج على لائحة التراث الوطني ولائحة التراث العالمي، والممتد على مساحة جغرافية تزيد عن 12 كيلو مترًا مربعًا كان دون حراسة.

4000 قطعة مفقودة..  فصائل إسلامية تشارك في النهب

بعد سيطرة “هيئة تحرير الشام” وفصائل جيش الفتح على محافظة إدلب منتصف عام 2015، سُرقت قطع الأثرية من متحف إدلب نتيجة الفتحات التي أحدثتها صواريخ الطائرات الحربية في المبنى والمستودعات.

وشاركت فصائل إسلامية في نهب قطع أثرية من المتحف بعد إفراغ مسؤولين تابعين للحكومة السورية أبرز مقتنيات المتحف وكنوزه الذهبية المعروضة، بحسب الدكتور أحمد ديب مدير شؤون المتاحف في المديرية العامة للآثار والمتاحف، إذ ذكر في تقرير التراث الأثري السوري – خمس سنوات من الأزمة 2011 – 2015، الصادر عن وزارة الثقافة أن مديرية شؤون المتاحف اتخذت إجراءات خاصة بنقل أعداد كبيرة من القطع الأثرية من المتاحف المهددة بالخطر بعد تفاقم الأحداث في سوريا إلى مدينة دمشق.

كنز القنية إحدى القطع الأثرية المفقودة من متحف إدلب. التقطها معد التحقيق مطلع عام 2011 (سيريا انديكيتور – خاص).

وبحسب جرد أجرته مديرية آثار إدلب لموجودات المتحف، بلغ عدد القطع 7500 قطعة مسجلة.

ولا يتجاوز عدد القطع المتبقية والمتطابقة مع سجل المتحف اليوم ثلاثة آلاف قطعة، وفقد ما يزيد عن 4000 قطعة أثرية تشمل المجوهرات، والعملات الذهبية والفضية والتماثيل الصغيرة التي عثر عليها في إيبلا، والأختام الأسطوانية أو المسطحة والفخار من إيبلا أو من مواقع أثرية أخرى مثل تل الكرخ، وتل المسطومة، وتل دينيت، وتل أفس، بحسب الجرد.

بتقصي أسماء الألوية التي دخلت المتحف بعد سيطرة المعارضة المسلحة على إدلب واتخاذ المتحف مقراً لها، وصل معد تحقيق  سيريا انديكيتور لـ “عمار”، أحد المنشقين عن لواء التمكين التابع لأحرار الشام، عمار أكد مشاركة اللواء في سرقة ألواح فخارية.

لواء التمكين كان عرض لاحقاً صوراً لرقم فخارية موجودة في أقفاص بلاستيكية في أحد مقرات فصيل “جند الأقصى” المسلّح عام 2017، بعد السيطرة على المقر، في حين كانت هذه الآثار موجودة في أحد مقرات “أحرار الشام”  قرب بلدة تفتناز بريف إدلب، بحسب عمار.

صورة تظهر الآثار المسروقة من متحف إدلب (انترنت).

نهب وتخريب التلال الأثرية 

ومنذ خروج مناطق في إدلب عن سيطرة الحكومة المركزية في دمشق عام 2011 وحتى العام 2018، توسعت أعمال التنقيب العشوائي في عموم المحافظة، وشكلت المواقع الأثرية فرصة لتجار الآثار وفصائل المعارضة المسلحة والمنقبين المدنيين لجني الأموال، مع غياب التوعية والقصف الحكومي المتكرر للمواقع الأثرية، واستخدام بعضها كمراكز إيواء مؤقت للنازحين.

أبرز المواقع التي تعرضت للتنقيب العشوائي كانت التلال الأثرية، والتي تشكل ما نسبته 51 بالمئة من إجمالي التلال الأثرية في سوريا، بحسب إحصائية لمديرية آثار إدلب.

الإحصائية تشير إلى تل دينيت وتل آفس شرق إدلب، وتل المسطومة، كأكثر المواقع التي تعرضت للتنقيب العشوائي بالجرافات والمتفجرات والآليات الثقيلة، فضلاً عن المواقع الأثرية المعروفة والمنتشرة في كافة أرجاء إدلب.

رصد تحقيق  سيريا انديكيتور أعمال التنقيب العشوائي بالجرافات في موقع تل دينيت في قرية قميناس شرق إدلب وقام بتصويرها، وهو تل يحتوي على سويات من العصور الآرامية والبابلية والآشورية والفارسية، وبقايا معمارية وأختام مسطحة ونقود من العصر الهلنستي، ومن العصر البيزنطي دير وكنيسة ونقود وسرج وفخار، وآثار من العصرين الأيوبي والمملوكي، بحسب دائرة آثار إدلب.

استخراج اللوحة الفسيفسائية وتدمير الموقع (سيريا انديكيتور – خاص).

لوحة بابولين كانت واحدة من المواقع المستهدفة خلال تلك الفترة، ففي أواخر عام 2015، استخرج (ع) معرشمارين” ما تبقى من اللوحة الفسيفسائية من الموقع، بالتعاون مع مالك الأرض الزراعية عبد الكريم الجرك، بحسب تقرير مركز آثار إدلب عن التخريب الذي طال الموقع، واستخدمت الآليات الثقيلة والعمال في وضح النهار لإزالة الأتربة والمواد التي حفظت بها اللوحة، وحطمت معظم معالم كنيسة البازليك، وبقيت حجارة الكنيسة متناثرة على أطراف الموقع كما حجارة الكنائس الأخرى التي طالها التخريب والدمار.

وتقصى موقع سيريا إنديكيتور عن شخصية (ع) معرشمارين التي وردت في تقرير مركز آثار إدلب، ودمرت الموقع الأثري واللوحة، ووفق شهادات لمهجرين من أهالي بلدة بابولين فإن الاسم الوارد هو أبو البراء معرشمارين، وهو قائد كتيبة كانت تتبع لفصيل أحرار الشام حينها.

التنقيب في تل دينيت، يحمل الشخص جهاز الكشف عن المعادن للبحث عن الآثار (سيريا انديكيتور – خاص).

“تحرير الشام” تحتكر  التنقيب وتجارة الآثار 

في 2018، منعت حكومة الإنقاذ في إدلب، الجناح المدني لـ”هيئة تحرير الشام”، أعمال التنقيب العشوائي للمدنيين ت طائلة عقوبات تصل إلى السجن. لكن صورا حصل عليها معد التحقيق تثبت أن جبهة النصرة وضعت يدها على معظم آثار إدلب فور سيطرتها على المحافظة أواخر العام 2014 تحت مسمى “أموال مسلمين”، ومنعت التنقيب العشوائي إلا بتصريح يصدر من قادتها أو المسؤولين عن قطاع الآثار.

صورة التقطت عام 2016 في موقع دير لوزة قرب بلدة إحسم بجبل الزاوية (موقع انتهاكات جبهة النصرة).

ووفق شهادات منقبين عن الآثار، منحت هيئة تحرير الشام رخص التنقيب العشوائي بأمر من أبو البراء مسؤول قطاع الآثار، إما بتصريح خطي يتضمن السماح للمنقب من المقربين لمسؤول الهيئة بالعمل في الموقع واستخدام الجرافات للتنقيب، أو بترخيص شفهي، يمنح بموجبه المنقب العشوائي إذناً بالتنقيب في أحد المواقع وضماناً من مسؤول الآثار بعدم التعرض له في حال اعترضته دوريات الهيئة، ويزوّد بجهاز لاسلكي للتواصل مع مسؤول الآثار لحمايته.

وثيقة لتسهيل عمل المنقبين عن الآثار من قبل مسؤول في جبهة النصرة (موقع انتهاكات جبهة النصرة).

 

 

 

لم تقتصر تعديات تنظيم جبهة النصرة الذي تحول إلى مسمى “هيئة تحرير الشام” عام 2017 بحق المواقع الأثرية على التنقيب العشوائي ورعايته، بل حول التنظيم عدداً من المواقع الأثرية إلى سجون سرية بدءا من عام 2014. كان أشهرها سجن العُقاب المخصص لاعتقال وتصفية الناشطين المدنيين وقادة الجيش الحر، بحسب مواقع إعلامية.

ووفقاً لعاصم زيدان مؤسس موقع “انتهاكات جبهة النصرة”، “اتخذت جبهة النصرة ثلاثة مواقع أثرية منها في جبل الزاوية وقلعة حارم، لتكون فروعاً للسجن من أصل أربعين فرعاً تنتشر في إدلب وريفها. أشهرها فرع السجن السري بين بلدتي كنصفرة والبارة”.

سجن العقاب في جبل الزاوية بريف إدلب (خاص – سيريا انديكيتور)

تجارة العملات القديمة أكثر سهولة وربحاً

بعد العام 2015، لم تعد القطع الأثرية الكبيرة كلوحات الفسيفساء أو التماثيل الكبيرة محط اهتمام التجار، بسبب إغلاق الطرق الواصلة إلى مناطق الحكومة السورية، والفحص الدقيق على المعابر التركية، بحسب ما ذكر تاجر الآثار أبو خالد، وأضحت تجارة العملات القديمة، وخاصة الأموية محط اهتمام التجار وخاصة الدينار الذهبي الذي يحمل وجهه صورة عبد الملك بن مروان يحمل سيفه، ووجهه الآخر صورة لمفتاح القدس وحولها كتابة “ضرب هذا الدينار سنة سبع وسبعين”، وبلغت قيمة دينار واحد 200 ألف دولار.

الدينار الأموي يحمل نقش عبد الملك بن مروان – مرسلة من تاجر الآثار (انترنت).

مجموعات تلغرام لعرض اللقى

ينشط التجار على وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة تطبيق “تلغرام”، لعدم كشف هوية أو رقم البائع والمشتري، وتتعدد المجموعات بين أسواق رقمية لعرض نتائج التنقيب وتسعيرها وبيعها.

وبين مجموعات استشارات التنقيب العشوائي وتفسير الإشارات الصخرية، انضم أنس إلى أحد الأسواق على تطبيق تلغرام لعرض لقى أثرية مؤلفة من عملات نقدية ومكاحل للعيون، استخرجها من قبر بيزنطي بعد تنقيب دام 3 أيام.

اللقى التي وجدها أنس وباعها عبر تلجرام (سيريا انديكيتور – خاص).

اعتقد أن ثمنها يتجاوز 2000 دولار، في نهاية المطاف باعها بمبلغ 500 ليرة تركية، يقول أنس،”الحظ لم يحالفني هذه المرة، لن أتخلى عن التنقيب، تزيد الرغبة في العثور على كنز قد يغير حياتي للأبد، الأمر أشبه بالمقامرة”.

الترفيق إلى لبنان برعاية أمنية 

تتبع تحقيق  سيريا انديكيتور حركة نقل القطع الأثرية وطرق تهريبها، عبر مقاطعة رواية تاجر الآثار أبو خالد مع تجار آخرين.

طرق تهريب القطع الصغيرة عبر مناطق الحكومة السورية مازالت مفتوحة، ويتخصص بها تجار محددون، وتحولت سيارات الأفرع الأمنية الحكومية لسيارات أجرة لنقل الممنوعات والمطلوبين.

ينقل التاجر بضاعته إلى الحدود اللبنانية بسيارة تحمل لوحة أمنية لا تقف على الحواجز العسكرية المنتشرة على الطرقات، وتتغير التكلفة بحسب وزن “الأنتيكا” ونوعها، وتبدأ تكلفة النقل الواحدة من الشمال وحتى الحدود اللبنانية من 1000 دولار وحتى 5000 آلاف، وقد ينقل التاجر 3 شحنات شهريا، بحسب كمية المشتريات، ونوعية البضاعة، والوقت الذي يحدده التاجر اللبناني لوصول البضاعة إليه.

“في لبنان، يتعامل التجار السوريون مع تجار لبنانيين معروفين بأسمائهم وهم (محمد سعيد، عميد، أحمد، فهد)، وتاجر آخر مختص بتصريف الآثار المزيفة واسمه حسن”، يقول التاجر أبو خالد لسيريا انديكيتور.

ويتابع، تخرج “البضاعة” من لبنان إلى الأسواق الخليجية أو الأوروبية، وهذا يعتمد على نوع القطعة، فالآثار الإسلامية مطلوبة بشدة في أسواق الخليج العربي، فيما ترغب الأسواق الأوروبية بآثار العهد القديم والروماني والبيزنطي.

“الطريق الأخرى عبر تركيا” يضيف التاجر، “ويتواجد تجار سوريون وأجانب في تركيا يتولون شحن المقتنيات إلى أوروبا أو من تركيا إلى لبنان أيضاً لتصريفها، وقبل عام 2011، كانت حجارة المباني الأثرية والتيجان والزخارف والنقوش تنقل إلى لبنان لبناء القصور”.

متحف معرة النعمان.. شاهد وضحية

عرف عن متحف معرة النعمان أو “خان مراد باشا” أنه يضم العدد الأكبر من اللوحات الفسيفسائية في الشرق الأوسط، إذ يحتوي  قرابة 3600 متر مربع من اللوحات، منها 1600 متر مربع من اللوحات المعروضة، و2000 متر مربع حفظت في المستودعات، بحسب المهندس عبد الرحمن اليحيى، المسؤول عن حماية المتحف منذ عام 2012، والذي شكل فيما بعد مركز حفظ التراث عام 2015، مع آثاريين تطاردهم الأجهزة الأمنية لحكومة دمشق  بسبب موقفهم السياسي المعارض لـ”النظام” وفق قولهم، وهدف المركز حماية اللوحات الفسيفسائية من السرقة.
القصف على فترات زمنية متباعدة أدى لتدمير أجزاء من المتحف، وتلف لوحات معروضة في أروقته، حسب اليحيى.

متحف معرة النعمان أو “خان مراد باشا” يضم العدد الأكبر من اللوحات الفسيفسائية في الشرق الأوسط، إذ يحتوي قرابة 3600 متر مربع من اللوحات (خاص – سيريا انديكيتور)
صورة تظهر حجم الدمار ال٫ي لحق بمتحف معرة النعمان (خاص – سيريا انديكيتور)

ورغم إدانة اليونيسكو لقصف المتحف، عزا غازي علولو، مدير دائرة آثار معرة النعمان في الحكومة السورية الدمار الحاصل نتيجة الاشتباكات، وفق “تقرير التراث الأثري السوري – خمس سنوات من الأزمة 2011 – 2015″، الصادر عن وزارة الثقافة عام 2016، لكنه في عام 2023  أرجع دمار المتحف إلى “الإرهاب” وزلزال السادس من شباط 2023 عبر قناة الإخبارية السورية، بهدف الاستفادة من تمويل المؤسسات للأماكن المدمرة بفعل الزلزال.

حلل سيريا انديكيتور 4 صور لكشف عمليات القصف الحكومي بالطائرات الحربية لمتحف معرة النعمان الذي يعد واحداً من أهم ثلاثة متاحف الفسيفساء في العالم، بحسب مديرية سياحة إدلب.

القصف الجوي طال معالم أساسية ولوحات فسيفسائية تعد من أهم الاكتشافات الأثرية في سوريا، بحسب المهندس عبد الرحمن اليحيى مؤسس مركز حفظ التراث، وكان متحف معرة النعمان المقر الرئيس للمركز حتى استعادت القوات الحكومية السيطرة على المدينة مطلع عام 2020.

 

خلال 8 أعوام، شهد المتحف دماراً هائلا نتيجة استهدافه المباشر بالقصف الجوي، ما أدى لأضرار تزيد عن 30% لحقت باللوحات الفسيفسائية المعروضة، رغم وضع سواتر رملية وحفظ اللوحات، كما تسبب القصف في تدمير المسجد الأثري وسط المتحف، وهدم أجزاء من المكتبة العلائية وهي مكتبة أبو العلاء المعري.

تظهر الصور استهداف الجهة الشرقية من المتحف بالبراميل المتفجرة بشكل مباشر، ما تسبب بدمار أجزاء منه، وإتلاف لوحات فسيفسائية يزيد عمرها عن 1500 عام، وهو القصف الثاني الذي يتعرض له المتحف بتاريخ 15 من حزيران 2015.

ويكشف تحقيق  سيريا انديكيتور بالصور عدم صحة تقارير مواقع ووكالات إخبارية عالمية، كموقع إندبندنت عربية ووكالة رويترز التي نشرت تقريراً في 9 من شباط 2020، بعنوان كشف النقاب عن مئات القطع الأثرية في معرة النعمان بسوريا بعد إخفائها لسنوات. تتحدث التقارير عن إخفاء مستودع المتحف منذ سيطرة فصائل المعارضة عام 2012 وحتى 2020، حين أعادت الحكومة السورية السيطرة.

تظهر الصور التي حصل عليها تحقيق سيريا انديكيتور ، جولة مدير مركز حفظ التراث بمرافقة المجلس المحلي لمعرة النعمان، التابع للحكومة السورية المؤقتة (حكومة تابعة لقوى المعارضة الموالية لتركيا)، وفق اليحيى، إذ دخلوا إلى المستودع وعملوا على حفظه من عمليات القصف.

“من سعى في تدمير المتحف ولوحات الفسيفساء هي الحكومة السورية (حكومة دمشق) عبر القصف المباشر والمتكرر لواحد من أهم مراكز الحضارة الإنسانية”، يقول اليحيى.

شركاء في الجريمة

قصف القوات الحكومية للمواقع الأثرية لم يقتصر على متحف المعرة، كما ذكر عبد الرحمن اليحيى، بل طال معظم آثار المحافظة.

ونشر مركز آثار إدلب عبر صفحته على فيسبوك مقطعاً مصوراً يعود لأواخر عام 2019 يظهر قصف الطيران الحربي موقع إيبلا الأثري بأربع غارات جوية. المفارقة أن البعثة الإيطالية التي كشفت مكتبة إيبلا برئاسة باولو ماتييه، وعلقت عملها في سوريا منذ عام 2011، عاودت العمل في الموقع عام 2022، بعد سيطرة القوات الحكومية رغم توقيع منظمات سورية على عريضة تطلب من جامعة روما الأولى “عدم تمويل البعثة الأثرية الإيطالية” كونها ستعمل في “مناطق تعرضت بنيتها التحتية والمدنية لانتهاكات واضحة للقانون الإنساني الدولي”.

ومنح بشار الأسد وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة لعالم الآثار الإيطالي باولو ماتييه، مكتشف إيبلا، منتصف العام 2023 مع عودته لقيادة بعثة إيطالية جديدة في الموقع ذاته، وفق ما ذكرت وزيرة الثقافة السورية لبانة مشوح في حفل التكريم.

وبالقرب من معرة النعمان أحرقت القوات الحكومية وخرّبت ضريح عمر بن عبد العزيز في بلدة دير شرقي، بعد سيطرتها على المنطقة.

ويعتبر ضريح الخليفة الأموي أحد المواقع الأثرية في المحافظة بناء على القرار رقم 20 /آ الصادر عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي بتاريخ 15 شباط / فبراير لعام 1976.

صت المادة (58) من قانون الآثار السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963، والمعدل بالقانون رقم 1 لعام 1999 في فقرتها الأولى على ما يلي: «يعاقب بالاعتقال من خمس سنوات إلى عشر سنوات وبالغرامة من خمس وعشرين ألف إلى خمسمائة ألف ليرة كل من: خرب أو أتلف أو هدم أو طمس أثراً ثابتاً أو منقولاً، ويعاقب بالحد الأقصى للعقوبة إذا وقع الفعل في ملك الدولة».

ساهمت مديريات الآثار منذ ما قبل 2011 في زيادة التعدي على الآثار، كالتنقيب العشوائي وضياع سجلات الآثار، وصولاً إلى هدم المباني الأثرية، بحسب ما أخبرنا عامر الإدلبي (اسم مستعار)، أحد الموظفين السابقين في قسم المباني بدائرة آثار إدلب.

عدم تحديد حرمة الموقع الأثري، ودفع الرشاوى لمدير آثار إدلب نيقولا كباد، ومدير المباني حازم جركس والذي يشغل منصب مدير آثار حماه حالياً، سهلت على أصحاب مقالع الحجر إقامة منشآتهم بمسافة أقل من 500 متر من الموقع الأثري، يؤكد عامر الإدلبي.

وأدى سماح رئيس دائرة الآثار ومدير المباني بإقامة منشآت تهدد سلامة المباني التاريخية إلى “تصدع وانهيار مبان أثرية في جبال حارم والبارة نتيجة الصدمة التي أحدثتها تفجيرات المقالع، فضلاً عن تمدد المقالع باتجاه المواقع الأثرية، فبعض المنشآت في جبال حارم كانت تقام على مسافات لا تزيد عن 100 متر من الموقع الأثري.

نصت المادة 26 من قانون الآثار السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963، والمعدل بالقانون رقم 1 لعام 1999، على “منع إقامة الصناعات الثقيلة والخطرة والمنشآت الحربية في حدود نصف كيلو متر من الممتلكات الأثرية والتاريخية الثابتة المسجلة”.

أين اختفت آثار متحف إدلب ؟

رصد تحقيق سيريا انديكيتور  تصريحات مسؤولي ملف الآثار السورية، على مدى أشهر، وكذلك عمل بعثات أثرية في مناطق مختلفة من سوريا، وتقارير مؤسسات مختصة بالتراث الثقافي، للتأكد من صلة مسؤولي قطاع الآثار في سرقة الآثار .

اعترف المدير الحالي، محمد الحمود، بعدم وجود سجلات للقطع الأثرية نتيجة التقصير، فيما أكد المدير العام السابق للآثار والمتاحف مأمون عبد الكريم، أن تسجيل وأرشفة القطع الأثرية السورية قبل 2011 لم يتجاوز 9 آلاف صورة.

عبد الكريم قال في تصريح صحفي، إن “99 بالمئة من محتويات المتاحف السورية نقلت إلى دمشق في السنوات الأولى للحرب”، وهو ما أكده تقرير “تراث من أجل السلام” بأن السلطات السورية نقلت 300 ألف قطعة أثرية من 34 متحفاً في سوريا إلى دمشق في مارس 2015، بما فيها جميع القطع الأثرية من تدمر وفق بيانات المديرية العامة للآثار والمتاحف، فكيف وصلت قطع المتاحف السورية وآثار تدمر إلى المزادات العلنية خارج سوريا؟ وكيف بلغ عدد القطع المسروقة من متحف إدلب 50 ألفاً، فيما تقول سجلات المتحف إن ما تمت أرشفته من قطع أثرية قبل خروج إدلب عن سيطرة النظام هو 7500 قطعة؟.

وكان الانتربول الدولي طلب عام 2018 من مديرية الآثار السورية تزويده بسجلات القطع الأثرية، فيما لم يصله أي رد لعدم وجود توثيق لجميع قطع المتاحف التي شملتها السرقة.

قرارات دولية خاصة بآثار سوريا

  • قرار مجلس الأمن 2199 لعام 2015، ينص على تعزيز العقوبات الجماعية لداعش وجبهة النصرة، وتقييد تمويلهم بما في ذلك الآثار.
    قرار مجلس الأمن 2253 لعام 2015، وينص على إلزام الدول الإبلاغ عن مصادرة القطع الثقافية من العراق وسوريا.
  • قرار مجلس الأمن 2347 لعام 2017، الذي يطلب من الدول حظر تجارة أو نقل السلع الثقافية من أي منطقة نزاع أو سياق نزاع.
  • اتفاقية مجلس أوروبا لعام 2017 بشأن الجرائم المتعلقة بالممتلكات الثقافية.
تحقيق: أحمد مراد
المقالات ذات الصلة