Call us: +3 (800) 2345-6789 | 7 Days a week from 9:00 am to 7:00 pm

حيتان تبتلع مياه الساحل السوري

تحصل اللاذقية على 85% من احتياجات مياه الشرب عبر خطوط جرّ قادمة من نبع “السن” (40 كم جنوب اللاذقية)، وهو أحد أغزر الينابيع السورية وأكثرها عذوبة ونقاء

تحقيق أنجزه مشروع Syria Indicator المستقل للصحافة الاستقصائية، ونشره بالتعاون مع جريدة عنب بلدي، يكشف عن دور التعدّيات على خطوط المياه (السرقة)، في ظاهرة العطش بمدينة اللاذقية السورية، كما يكشف عن تورط شخصيات نافذة من ضباط الجيش والمخابرات في سرقة المياه لسقاية مزارعهم وملء مسابح فيلاتهم.

عن التحقيق 

أرقام حصل عليها التحقيق من مصدر يعمل في إدارة نبع السن ( 40 كم جنوب اللاذقية)، تظهر أن اللاذقية تحصل على 85 % من احتياجات مياه الشرب عبر خطوط جرّ قادمة من النبع، وهو أحد أغزر الينابيع السورية وأكثرها عذوبةً ونقاء>

ويقع النبع أسفل جبل قرفيص على الساحل السوري، ويتم ضخ المياه من النبع عبر ثلاثة خطوط  إلى خزّانات تجميع في أعلى جبل قرفيص (2500 م شرق نبع السن)، حيث تنساب المياه من هناك عبر ثلاثة خطوط دفع شمالاً إلى جبلة ومدينة اللاذقية والحفّة والقرداحة. وهناك خط جر رابع لم يتم وصله بالنبع حتى اﻵن، لا يتوقف الضخ طوال العام بكامل الطاقة.

فيما تغذي المصادر المساعدة (ينابيع وآبار) نسبة 15% المتبقية، وأهمها آبار الصفصاف ـ البهلولية ـ الجنديرية ـ نبع جورين، إضافة إلى استخدام الينابيع المحلية في كل منطقة إذا توفرت وكانت صالحة للشرب.

مصدر في المؤسسة العامة لمياه الشرب باللاذقية، فضل عدم ذكر اسمه، ذكر أن النبع يضخ يومياً قرابة 310 آلاف متر مكعب، (معدل 4 أمتار في الثانية)، تبلغ حصة اللاذقية منها 232.5 ألف متر مكعب (3 أمتار مكعبة في الثانية)، يفترض أن تغطي 85% من احتياجات السكان، غير أن الكمية الواصلة إلى خزانات التجميع في المحافظة تبلغ 205.4 آلاف متر مكعب ( 2.65 متر مكعب في الثانية).

ويبلغ الفاقد نحو 27 ألف متر مكعب يومياً، ما يعادل 11.6 بالمئة من المياه التي يتم ضخها إلى خزانات التجميع عبر خطوط رئيسية.ووفيما يحمّل المعنيون في تصريحاتهم انقطاعات الكهرباء مسؤولية قلّة الماء، يقول  أحد مهندسي وحدة المياه باللاذقية (ترك الخدمة مؤخراً)، إن “الانقطاع يحصل صيفاً وشتاءً، والحجة التي نقولها للناس هي انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة وعن محطات ضخ المياه إليها في الريف، وانخفاض مخصصات كميات الوقود المقّدمة للمحطات التي هبطت إلى دون النصف”.

ويتابع، أن “حجة الكهرباء لم تعد سبباً كافياً بعد أن جرى التنسيق بين مديريتي الكهرباء ومياه الشرب، الأمر الذي قلل احتمال تسبب انقطاع الكهرباء في أزمة المياه”، فماذا يكون السبب إذاً ؟.

الكميات المفقودة

يشير نفس المصدر إلى أن تقديرات فقدان المياه في المرحلة الأولى، نتيجة الارتشاح والتسرّب وارتفاع الحرارة، تتراوح بين 2 إلى 3 % من الكمية الكلية، ما يعني أن نسبة مؤكدة من المياه الضائعة تتراوح بين 8 إلى 9 % بمعدل وسطي يبلغ 20500 متر مكعب يوميا، وهي كمية مؤكدة، تذهب بطريقة مجهولة.

وهناك فاقد آخر في المرحلة الثانية، ليس معلوم الكمية لكنه لا يقلّ عنها، وهي مرحلة ضخّ المياه من الخزّانات إلى الأحياء والقرى، لأن معظم التعديات تحصل على الخطوط الفرعية في القرى البعيدة عن المراقبة، ما يعني أننا أمام فاقد يزيد عن 23 % من المياه التي يتم ضخّها.

وتتراوح نسبة المياه المسروقة بين 16 و18 % من ذلك الفاقد، بمعدل وسطي يبلغ 41000 متر مكعب يوميا، وهي كمية غير مؤكدة من قبل الجهات المعنية، وهو ما يفسّر حسبما يشير شهود التحقيق حجم التعدّيات الكبير وسرقة المياه بطريقة غير مشروعة.

water Lattakia
منطقة تعديات جرى رصدها بالمعاينة ومطابقة موقعها عبر الأقمار الصناعية من قبل فريق التحقيق

ووفق بيانات مؤسسة مياه اللاذقية فقد تم تنظيم 737 ضبطاً خلال النصف الأول من العام 2020،  وسحب 1213 مضخة و 7782 وصلة مخالفة (تعدّي).

في جولة التحقيق على مسار خط الجر الثاني الذي يمشي مع طريق بانياس ـ جبلة القديم، جرى توثيق عدد من التعديات وتسجيل إحداثياتها عبر “Google Earth”، حيث أكد عدد من المزارعين وجود تعديات بشكل دائم، بهدف سقاية الزراعات المحمية وأغلبها بيوت بلاستيكية مخصصة لزراعة الخضروات، ولكنّ اكتشافها ليس سهلاً بحكم أنّ مرتكبها يتعرض للمسائلة القانونية، ولا يصرّح أصحاب التعديات عن سبب هذا التعدي مباشرة في ظل وجود قنوات جر مياه مخصصة للري.

صور لتعديات ضُبِطت على خطوط جرّ مياه “السن” نشرتها مديرية المياه في اللاذقية

شهادات ومعاينة

خلال مراقبة وعلى مدار أشهر لمسارات خطوط الجر في عدد من النقاط، مع الاستماع  بشكل غير مباشر لأحاديث الناس، تبين أن الأهالي من سكان المنطقة يتداولون أسماء أربعة ضباط، اثنان منهما على رأس عملهما، واثنان متقاعدان ولكن يبدو أن سلطتهما لم تنته بعد بدليل وجود حراس يرتدون اللباس العسكري على مداخل فيلاتهم، إلا أن صعوبة معاينة نقاط سرقة المياه من داخل “الفيلات” التي يملكها هؤلاء الضباط ،والمحاطة بالأسوار والحراسات، منعت توثيق التعدّيات بشكل مؤكد.

مستجدات ما بعد التحقيق 

حسب مواقع إخبارية وشبكات محلية في الساحل السوري، لم يتم حل مشكلة نقص المياه في المنطقة، مع حديث عن خطط مستقبلية، ومع تفاقم مشكلة الكهرباء والتدهور الاقتصادي، تضاعفت أسعار “صهاريج” المياه، فيما لم تفد أية مصادر رسمية عن استجابة لوقف ظاهرة التعديات من قبل المتنفّذين.

فريق التحقيق وتاريخ النشر 

عمل على هذا التحقيق: الحسين مسعود

أنجز التحقيق خلال 6 أشهر

تاريخ النشر: 28 كانون الأول 2021

مصادر تمت الاستعانة بها

مصادر في مؤسسات حكومية

مصادر محلية ومواطنون من أبناء المنطقة

مصادر مفتوحة

اقرأ التحقيق 

اللاذقية.. آلاف التعديات وحيتان فوق القانون

المقالات ذات الصلة