Call us: +3 (800) 2345-6789 | 7 Days a week from 9:00 am to 7:00 pm

الشقيفات… من يدمّر موئل السلاحف في سوريا؟

سلحفاة خضراء داخل مياه البحر قبالة شاطئ الشقيفات (سيريا انديكيتور - خاص).

دفعت السلاحف البحرية في سوريا ثمن حروب الإنسان وفساده وعبثه بالطبيعة، وها هي اليوم تهاجر موائلها في بلد صنفت شواطئه على أنها واحدة من أفضل مناطق التعشيش والتفريخ في حوض البحر الأبيض المتوسط.

لم تكن السلاحف البحرية تعيش أحسن أحوالها قبل عام 2011، لكن الأمور ازدادت سوءاً بعدها، إذ أدارت الحرب رحاها حتى على الطبيعة في بلد استنفد القتال موارده، ولم تعد الكثير من المنظمات والجمعيات الدولية والمحلية المعنية بحماية البيئة قادرة على أداء مهمتها ودورها لأسباب متباينة.

هنا، تحقيق يفسّر الخطر الذي تتعرض له السلاحف على شاطئ الشقيفات، في منطقة اللاذقية، غرب سوريا، وأحد أطول الشواطئ الرملية، وأفضلها كبيئة تكاثر للسلحفاة الخضراء وكبيرة الرأس على المتوسط.

الشقيفات… موئل السلاحف

عام 1991 أجرت منظمتا MEDASSET وHerpetofauna Conservation International (المملكة المتحدة)، أول مسح للسلاحف على الشاطئ السوري، وقبل هذا المشروع، لم يكن معروفاً سوى القليل عن أعداد السلاحف في البلاد.

كشف هذا الجهد أدلّة على تعشيش السلاحف البحرية على الشواطئ بين اللاذقية وجبلة (29 مساراً أو عشاً)، وتبين أن نوعين من الأنواع السبعة من السلاحف البحرية في العالم يتكاثران على الشاطئ السوري في البحر الأبيض المتوسط.

وأظهرت دراسة صدرت العام 2004، أجرتها جامعة تشرين السورية بالشراكة مع عدد من المنظمات الدولية، أن  السلاحف الخضراء (Chelonia mydas)، وضخمة الرأس (Caretta caretta)، هما الأكثر تعشيشاً في سوريا.

نتائج البحث الأولية وفق دراسة جامعة تشرين وشركائها عام 2004، أظهرت أن الشاطئ الرملي في منطقة الشقيفات وجوارها، يكتسب أهمية مضاعفة لكونه الوحيد بهذا الطول والطبيعة الرملية على امتداد الشاطئ السوري، إذ إنّ هناك موائل أخرى دمرها البشر أو هجرَتها السلاحف بسبب التلوث البشري، حيث كان هناك عدد من الأعشاش، لكن الصرف الصحي البشري خربها إلى جانب عوامل أخرى منها التغير المناخي في المتوسط.

سلحفاة خضراء على شاطئ الشقيفات جرى تعقبها العام 2006 (سيريا انديكيتور – خاص)

يُعدّ شاطئ الشقيفات، الواقع بين شمال مدينة جبلة حتى النهر الكبير الشمالي جنوب اللاذقية، بطول 12.5 كم إلى عشرين كيلومتراً، “الشاطئ الرملي الأطول في سوريا، والمثالي لتكاثر السلاحف البحرية”، وهو “في المرتبة السادسة لأفضل الشواطئ في البحر المتوسط لتكاثر السلاحف الخضراء”، وتعتبر سوريا ثالث أهم بلد لتعشيش السلاحف الخضراء في البحر الأبيض المتوسط، وفق دراسة أكاديمية أجراها في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2004، كل من مخبر علوم البحار بكلية الزراعة بجامعة تشرين وجمعية حماية السلاحف البحرية في اليونان والمركز الدولي للمحافظة على الأحياء في لندن.

أعدادها وأعشاشها

تمكنت الدراسة الصادرة عام 2004 من “رصد ومتابعة 164 عشاً للسلاحف على الشاطئ، منها نحو 120 عشاً للسلاحف الخضراء، و44 عشاً للسلاحف كبيرة الرأس”، وكانت النتائج “مفاجئة بإيجابياتها عكس ما كان متوقعاً”، وفقا للدكتور أديب سعد، الأستاذ في كلية الزراعة ورئيس الجمعية السورية للبيئة، الذي شارك في الدراسة.

وتبين أنّ السلاحف الخضراء هي أكثر أنواع التعشيش في سوريا التي تستضيف خمس مناطق تعشيش محددة، على طول يقارب 130 كيلومتراً، تقوم السلاحف بوضع البيض فيها، أهمها شاطئ الشقيفات، ومثل السلاحف ضخمة الرأس، تعشش السلاحف الخضراء في الغالب على نفس الشاطئ.

سلحفاة خضراء أثناء عملية الإباضة (سيريا انديكيتور – خاص).

عام 2006، تم تعقّب سلحفاة خضراء عشّشت في شاطئ الشقيفات عبر الأقمار الصناعية للمرة الأولى، وأظهر ارتباط المفرخة السورية بمناطق التغذية على طول ساحل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفق الناشط قحطان، اسم مستعار لدواع أمنية، وهو من المهتمين بالسلاحف في الشاطئ السوري، فإنه “يمكن تقسيم منطقة التكاثر السورية إلى ثلاثة أقسام، بحسب كثافة الأعشاش على الشاطئ كل سنة، اﻷولى منطقة شاطئ الشقيفات، وهي الأكثر كثافة، وتضم 60 في المئة من الأعشاش، أما الثانية فهي منطقة شاطئ الصنوبر (شاطئ قريب من الشقيفات)، حيث متوسط الكثافة 25 في المئة من الأعشاش، أما الثالثة فهي منطقة شاطئ البصة، وهي الأقل كثافة، وتصل إلى 15 في المئة من كثافة الأعشاش”.
أما عن أعداد السلاحف البحرية التي تتكاثر على الشاطىء السوري، فيقول الدكتور أديب سعد في حديث سابق معه، “لا أحد يعلم (العدد)، ومن أجل ذلك بدأنا منذ عام 2006 بعملية ترقيم للسلاحف على الشاطىء السوري، بأرقام معدنية وبلاستيكية، لمعرفة أعدادها، وأوقات عودتها للتكاثر وحركة سيرها”، وبحكم ظروف الحرب، فإنّ هذا المشروع قد طواه النسيان، مع اﻹشارة إلى أنّه في العام 1989 ، تبنت ​​جميع دول البحر الأبيض المتوسط خطة عمل للحفاظ على السلاحف البحرية ضمن إطار خطة عمل البحر الأبيض المتوسط ​​(MAP) بما فيها سوريا.

التعشيش والتفريخ

وفقاً للمجلة العالمية للسلاحف (SWOT) فإنّ “السلحفاة البحرية تستطيع أن تتكاثر ابتداء من سن الخامسة عشرة إلى الخمسين، إذ يمكن أن تعيش أكثر من مئة سنة”، وهي تخرج من البحر إلى الشاطئ الرملي بين العاشرة ليلاً والواحدة صباحاً، فتختار المكان المناسب لوضع البيض، وتبدأ إحداث حفرة كبيرة بواسطة زعانفها الأمامية، ثم تقوم بإحداث حفرة أسطوانية صغيرة داخل الحفرة الكبيرة، وتضع البيض داخلها، بعد ذلك تردم البيض بزعانفها الخلفية، ثم تردم كامل الحفرة الكبيرة وتعود إلى البحر، ولا تعود إلى الشاطئ إلا بعد سنتين أو أكثر لتضع البيض مرة ثانية.

وتتطابق هذه الدورة العلمية لتعشيش وإباضة السلاحف، في الشقيفات، قياساً لعمليات الرصد التي يتبعها الناشط “قحطان” وناشطون آخرون لسنوات طويلة على الشاطئ السوري.

وبحسب الناشط، فإنّ السلاحف تخرج من البحر إلى الشاطئ السوري من أجل وضع البيض أواخر شهر أيار/ مايو كل سنة، وينتهي موسم وضع البيض نهاية تموز وبداية آب، وتضع كل سلحفاة بين 300 إلى 400 بيضة، ولكنّ السلحفاة البحرية لا تضع جميع البيض دفعة واحدة وفي عش واحد، بل في عشين إلى أربعة أعشاش، والغالب ثلاثة أعشاش، بمعدل عش كل أسبوعين تقريباً، والسلحفاة البحرية لا تتكاثر كل سنة، بل كل سنتين إلى أربع سنوات.

آثار أقدام السلاحف خالل تحركها من البحر إلى الشاطئ الرملي في الشقيفات (سيريا انديكيتور – خاص).

ويضيف، “معظم السلاحف على شواطئنا تتكاثر كل سنتين مرة، وتبين لنا ذلك بعد ترقيم السلاحف ومراقبتها كل عام أثناء عودتها إلى الشاطئ لتضع البيض، ولهذا السبب تتفاوت أعداد الأعشاش بين سنة وأخرى”.
يبدأ موسم التعشيش في الشقيفات مع بدء الموسم السياحي في المنطقة، وهذا اﻷمر، كما يقول المهندس علي (45 سنة)، من مديرية الزراعة في اللاذقية، “يمثل مشكلة حقيقية، إذ إنّ النشاطات البشرية، عدا تجريف الشاطئ، تكثر في وقت حرج للسلاحف، حيث تصل السلاحف نهاراً أو ليلاً لتضع بيضها في الرمال خلال الليل، ويستغرق وضع البيض عدة ساعات، وخلال مدة تتراوح بين 50 و70 يوماً تفقس الفراخ وتشق طريقها نحو السطح بصعوبة، وعادة ما تخرج في الصباح بين الثانية والرابعة صباحاً، وتتجه نحو البحر بشكل غريزي مسرعة لتبدأ دورة حياة  جديدة”.

يقول علي الذي يتابع وضع السلاحف في المنطقة مهتماً بمصيرها وضرورة الحفاظ عليها، إن “المدهش أن هذه السلاحف عندما ستكبر ستعود إلى نفس الشاطئ التي خرجت منه وتضع بيضها، وهذا ما يجعل عملية التجريف كارثية بالنسبة إليها”، مشيراً إلى أن أنّ طول مدة حضانة البيض تخلق مشكلات إضافية تكمن “في أنّ البيض نفسه يصبح هدفاً للثعالب البرية والكلاب، بخاصة أن السلاحف لا تحضن بيضها كما غيرها من الأمهات، فهي تعود إلى البحر بمجرد انتهاء عملية اﻹباضة”.

 كيف بدأت الكارثة

تصنيف الشواطئ السورية عموماً، وشاطئ الشقيفات خصوصاً كواحدة من أفضل مناطق التعشيش السلاحف صار مشكوكاً فيه عاماً بعد عام، مع انتهاكات متعددة الجوانب، منها الطمع برمال الشاطئ، أو استثماره في فصل السياحة، فضلاً عن التلوث البيئي وظاهرة ارتفاع الحرارة، ووجود أعداء بينهم قنديل البحر والصيادون من البشر.

صورة تعود لعام 2020 تظهر تعرض بيض السلاحف للعبث على شاطئ الشقيفات (سيريا انديكيتور – خاص).

ومن أصل 200 عش عام 2018، لم يتم إحصاء سوى عشرة أعشاش عام 2020، بحسب مجموعة من النشطاء المهتمين بالبيئة قابلهم فريق التحقيق، إلا أن أحداً لم يستمع لنداءات هذه المجموعة، كما لم تقم الجهات المعنية بما يلزم لحماية السلاحف وبيئتها.

“واقع التعشيش في السنوات اﻷخيرة لا يبشر بالخير أبداً”، يقول الناشط قحطان، مشيراً إلى أن تراجع عدد الأعشاش سببه “عبث الناس، والتلوث الكبير، والتهام السلاحف للأكياس البلاستيكية معتقدةً أنها قناديل بحر”، مشيراً إلى أن تراجع التعشيش وعدد السلاحف يفسر كثرة أعداد القناديل في السنوات اﻷخيرة.

أما السبب اﻷكثر أهمية، فهو استباحة رمل الشقيفات من قبل جرافات المتنفذين، وتحوّله في السنوات اﻷخيرة إلى مناطق تحت سيطرة خاصة، وفق ما رصده التحقيق، بالاستناد إلى شهادات نشطاء ومتخصصين، فقد تقاطر إلى هذا الشاطئ عدد كبير من المتنفذين بقصد الاستثمار، محاولين الاستيلاء عليه بشتى الطرائق الممكنة، ومنها بناء الفيلات (تم هدم قسم منها)، واحتكار أقسام أخرى والتعدي المباشر على اﻷملاك العامة”.

القتل بالديناميت أو الضرب

التهديدات الرئيسية للسلاحف قبالة البر الرئيسي للشقيفات، تتمثل بالصيد بشباك الجر في قاع البحار ومصائد الخيوط الطويلة العائمة، وفي الكثير من الوقائع التي رواها صيادون لفريق التحقيق، فقد كان العديد منهم يضربون السلاحف عند مصادفتها في شباكهم، فيما كان بعضهم يتركها تنزف ﻷن ذلك يتسبب باعتقادهم بجعل السلاحف اﻷخرى تغادر المنطقة، ويثير صيادون آخرون قصص بيع صدفات السلاحف لبعض المحلات ولو بنسبة قليلة، على أنّ المشكلة الأكثر حضوراً هنا هي استخدام مواد متفجرة (الديناميت) في عمليات صيد السمك التي باتت أكثر انتشاراً في السنوات اﻷخيرة، وهو ما يتسبب بمقتل السلاحف وصغارها وجميع اﻷحياء في البحر.

ويقول أحد العناصر (الحراس) من مخفر الشقيفات، طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، “إننا لا نتدخل إلا نادراً، ولم نقدر طيلة سنوات على منع الصيد باستخدام الديناميت… ويحصل ذلك في وضح النهار”.

وتقوم مديرية الموانئ التابعة لوزارة النقل، بحراسة الشاطئ من أية تعديات، ولديها مخافر على طول الشاطئ السوري، ويداوم فيها عناصر عسكريون بسلاح خفيف.

ومع استنفاد أعدادها عن المستويات التاريخية في البحر اﻷبيض المتوسط، وُضعت السلاحف الخضراء وضخمة الرأس على القوائم الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ووفقاً لدراسة العام 2004، تم التعرف إلى وجود مستويات عالية من التفاعلات بين مصايد الأسماك السورية والسلاحف البحرية، وقد أتاحت المسوحات الليلية خلال موسم التعشيش، والجهود التعاونية مع الصيادين، فرصاً لمراقبة السلاحف على البر، بغاية الحصول على بيانات القياسات الحيوية الأساسية، وتمييز السلاحف قبل عودتها إلى البحر بعد التعشيش، أو إطلاق سراحها بعد صيدها بشبكات الصيادين.

على الساحل السوري تمتد قرى وبلدات ومدن متعددة تقع على بعد 5 إلى 10 كيلومترات من الشاطئ، وهذا يعني وجوداً بشرياً كبيراً على طول الساحل، وتفاعلاً للصيادين مع السلاحف بحكم صيدهم اﻷسماك بالشباك، حيث تظهر السلاحف بين مكونات الصيد، وكثيراً ما يطرح الصيادون أسئلة محقّة حول كيفية التعامل مع السلاحف، و”لماذا علينا حمايتها؟” ، و”كيف تفيدنا حمايتها”، و”كيف يمكن تجنب تلف الشباك بسببها؟”، وتصب هذه اﻷسئلة في جوهر المشكلة بين الطرفين، إذ إنّ عمليات الصيد بالشباك توقع عدداً من السلاحف فيها، متسببةً في تقطع حبال الشباك، ما يعني خسارة مضاعفة للأسماك والشباك في الوقت نفسه.

إذا ما عرفنا أنّ مياه الساحل السوري فقيرة بالأسماك، ومتوسط الصيد السنوي لا يصل إلى ألف طن، فإنّ هذه المنافسة بين الصيادين والسلاحف تنتهي على غير مصلحة الطرفين، فالسلاحف لا تنافس الصيادين على اﻷسماك، ولكنها تتسبب لهم بأذى غير مقصود، وهذا يشير إلى ضرورة توعية الصيادين إلى التعامل بطرق مختلفة مع هذه “الكائنات اللطيفة الشرسة”، على حد تعبير أحد الصيادين في منطقة الشقيفات.

التلوث والمناخ يكسران التوازن

وثّق المسح السابق أول إشكالية تتعلق بالسلاحف عموماً في سوريا، وهي وجود كميات كبيرة من التلوث البلاستيكي الثقيل، ومياه الصرف الصحي الموجودة على الشواطئ والمناطق البحرية الساحلية ذات الأهمية للتعشيش والبحث عن الطعام بالنسبة للسلاحف، خاصة اﻷعشاب البحرية والبرية، فقد كانت هناك أنابيب تنقل مياه الصرف الصحي مباشرة من القرى والبلدات القريبة إلى البحر، بدل تجميعها في وحدات معالجة صرف صحي، وأشارت شدة التلوث واتساعه إلى مشكلة مستمرة وليست حدث تلوث منعزل، وهذا يقود إلى تأثير هذه اﻷفعال كلها على التوازن البيئي.  

سلحفاة تحاول وضع البيض وسط أكوام من النفايات على شاطئ الشقيفات (سيريا انديكيتور – خاص)

يقول المهندس الزراعي أحمد، وهو من العاملين في مديرية البيئة بمدينة اللاذقية، إن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير اعتيادي، تسببا بانتشار كبير لقناديل البحر على الشواطئ، ومنها شاطئ الشقيفات في شهر شباط/ فبراير الماضي 2022 في غير مواعيده، كما ظهر في شهر تموز/ يوليو 2022، إذ تؤثر هذه الظاهرة في التوازن البيئي، كما تخلف إصابات بين مرتادي الشاطئ.

يقول المهندس أحمد، إن السلاحف تأكل قناديل البحر التي تتميز بنسبة تكاثر عالية، ومع غياب السلاحف عن المنطقة، فإنّ القناديل تتكاثر بشكل كبير، وخلال موسم الاصطياف والسياحة فإن تلامسها مع البشر يؤدي إلى “إصابات حارقة على الجلد”.

تخييم بطريقة عشوائية على رمال شاطئ الشقيفات (سيريا انديكيتور – خاص).

الشواطئ تدخل دورة اقتصاد الحرب

قبل عام 2011، عام انطلاقة الحراك في سوريا، كان هناك اعتماد كبيرٌ على الرمال والحصى القادمة من الداخل السوري، وبالتحديد، من مناطق النبك وقارة وتدمر، وغيرها من المناطق مثل البادية، بحسب أحد أصحاب السيارات الناقلة للرمال ممن التقيناهم في سياق التحقيق.

وأدت الحرب السورية إلى توقف عمليات النقل البري ونقل الرمال طيلة سنوات، وخصوصاً مع اشتداد العمليات العسكرية على طول الاوتوسترادات الدولية بين دمشق وحمص واللاذقية، لا سيما في السنوات من 2014 حتى 2018، كما أن المحاجر والمقالع نفسها في تلك المناطق لم تعد تعمل، لوقوعها ضمن مناطق الصراع.

مقلع حجارة وأدوات تكسير التي أثرت على موطن تعشيش السلاحف البحرية على شاطئ الشقيفات في سوريا (سيريا انديكستور – خاص)

المفترس الأكبر… آل مخلوف

ما إن يحل موسم السياحة والاصطياف في منطقة الشقيفات، جنوب اللاذقية بنحو 15 كيلومتراً، حتى يبدأ موسم مواز، هو موسم “الواسطات” للحصول على رخص رسمية من بلدية بستان الباشا ومديرية الموانئ، تتيح لمتعهدين صغار الحصول على بضعة أمتار على الشاطئ لبناء خيام عليها والاستثمار فيها، وللنجاح في هذه المهمة، كان لابدّ في الماضي من المرور على المتعهد اﻷكبر المتحكّم بهذا الشاطئ، وعرّاب اﻷنشطة المقامة على هذا الشاطئ الرملي الواسع، محمد مخلوف، خال الرئيس السوري بشار اﻷسد، وهو ما أكده موظفون رسميون في الدوائر المعنية في المنطقة.

واليوم، بعد وفاة مخلوف في 12 أيلول/ سبتمبر 2020، إثر إصابته بفايروس “كورونا”، يدير أشخاص مكلّفون من قبل ورثته، هذه العملية، إضافةً إلى استثمارات أخرى في منطقة الشقيفات وغيرها، بحسب المصادر ذاتها.

“السيد 10%” وورثته
اشتهر محمد مخلوف، بلقب السيد “10 في المئة” لفرضه، كما هو متداول، على أي جهة تريد شراء النفط من سوريا دفع نسبة 10 في المئة من قيمة الصفقة، مستفيداً من سطوة عائلة الأسد، وهو والد الملياردير السوري اﻷشهر، رامي مخلوف، المالك النظري السابق لشركة الاتصالات الخليوية المحلية، “سيرياتيل”.وإذا كان رامي قد بات من المغضوب عليهم في لعبة الاستثمار في سوريا، ووصل اﻷمر لوضعه قيد اﻹقامة الجبرية في دمشق، فإنّ هذا الغضب لم يصل بعد إلى استثمارات ورثة اﻷب مخلوف التي يمكن وصفها باﻹمبراطورية، إذ تمتد على عدة قطاعات استثمارية ومنها النفط والمال، داخل سوريا كما في جبلة والقرداحة ودمشق، وخارج سوريا مثل أبو ظبي، وبحسب تقرير لوزارة الخارجية الأميركية، تتراوح تقديرات المصادر المفتوحة لثروة رامي مخلوف بين 5-10 مليارات دولار.وتقدر “فايننشال تايمز” أن عائلة مخلوف تسيطر على نسبة 60 في المئة من الاقتصاد السوري، حصلت عليها على ما يبدو على مدار سنوات من الفساد والترهيب.
في شباط/ فبراير الماضي، فرض مجلس الاتحاد اﻷوروبي إجراءات تقييدية على خمس سيدات من عائلة محمد مخلوف (زوجتيه وبناته الثلاثة)، ليُضافوا إلى قائمة الأشخاص والكيانات الخاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي بخصوص سوريا، وفي حين أنّ رامي، اﻷخ غير الشقيق للبنات، مدرج باﻷصل على تلك اللوائح، وعلى غيرها من لوائح العقوبات اﻷميركية على دمشق، ويلحقه في العقوبات اﻷوروبية واﻷميركية من العائلة شقيقه حافظ مخلوف (مواليد 1971)، رئيس الفرع 40 / أمن دولة في دمشق، وهو إلى جانب موقعه الرسمي من رجالات الأعمال غير الظاهرين كثيراً على الساحة اﻹعلامية.

وفيما كانت المنافسة قوية سابقاً بين أفراد عائلة الأسد على الاستثمار في منطقة الشقيفات، التابعة لبلدية بستان الباشا، منبت عائلة مخلوف اﻷصلي، بثروتها الصخرية خلال تسعينات القرن الماضي، فإنّ الصراع انتهى إلى تفرّد محمد وورثته لاحقاً بالمنطقة، وهو ما ذكره مصدر من داخل مجلس مدينة اللاذقية التابع لوزارة الإدارة المحلية.

تتركز أنشطة ورثة مخلوف في الشقيفات على الاستثمار في جانبين مرتبطين بشكل كبير بقطاع البناء، وهما الاستثمار في مقالع الحجارة الموجودة في المنطقة، وتجريف رمال الشواطئ.

عملية تجميع الرمال والحصى من شاطئ الشقيفات، جبلة – سوريا، لبيعها 17 أيار 2022 (سيريا انديكستور – خاص)

الاستثمار اﻷول يقع في مقلع الشقيفات، ويتبع الموقع رسمياً لبلدية بستان الباشا، ووفق القانون رقم /7/ لعام 2017 المتعلق بحق الدولة في حماية مكامن الثروة المعدنية ومنع استخراجها ونقلها وتوزيعها بشكل غير قانوني فإنّ ترخيصه يتم من قبل المحافظ، بعد موافقة المكتب التنفيذي وفرع مؤسسة الجيولوجيا في اللاذقية، ثم مديرية الزراعة، ولمدة ثلاث سنوات يمكن تجديدها، وحسب مصادر المؤسسة في مدينة اللاذقية، فإنّ مقلع الشقيفات مرخص منذ العام 2006، وكان آخر تجديد للترخيص العام 2020، فيما يشير أفراد يعملون في منشأة قريبة من المقالع إلى أن المستثمر هو “المعلم” محمد مخلوف، وأصبح الأمر بيد الورثة بعد موته.

خاطب فريق التحقيق بالبريد الإلكتروني الرسمي، ثلاث جهات معنية في الحكومة السورية، وهي وزارة الإدارة المحلية والبيئة، ووزارة النقل، والمديرية العامة للموانئ،  للاستيضاح حول الترخيص وطبيعته، ومدى مخالفته للأصول القانونية، وتعديه على البيئة، إلا أن الجهات الثلاث لم تجب عن الأسئلة التي طرحها التحقيق حتى لحظة نشره.

يقوم استثمار الحجارة على قلع وتكسير الصخور ومن ثم طحنها، للحصول على البحص (الحصى) اللازم في عمليات البناء، وهذا الاستثمار يبدو قديماً في المنطقة، يؤكد ذلك الحجم الكبير للكتل الصخرية المقتطعة من المكان، وتبلغ مساحتها دونمات عدة، وهذه تحتاج وقتاً طويلاً لقطعها، وعلى ما يظهر، فإنّ هذا الاستثمار في طريقه للتوقف، بالنظر إلى توقف وقدم آلات التكسير المشاهدة في المنطقة.

وإذا كان الاستثمار في الحجر والبحص (الحصى) سينتهي، إن لم يكن قد انتهى فعلاً، كما يظهر ذلك واقع المقالع، فإن الثروات الطبيعية في الشقيفات، لم تنته، لا بل على العكس، فإنّ هناك مصدراً ثانياً لا ينضب، ولا يقل ثمناً وأهميةً وضرورةً عن المقالع، وهو الاستثمار في رمال الشاطئ.

راقب فريق التحقيق على مدار أكثر من شهرين منطقة شاطئ الشقيفات، وعلى امتداد الشاطئ، ولاحظ أن البلدوزرات والتركسات تقوم بتجميع الرمال في نقاط على طول الشاطئ بشكل تلال، لتقوم الشاحنات بعد ذلك بنقلها إلى جهات متعددة، وتتم هذه العمليات في وضح النهار، وتشمل عمليات تجميع الرمال عدداً من المناطق على طول الشاطئ، وقد وصلت عمليات التجميع إلى الرؤوس الرملية التي كانت سابقاً على الشاطئ.

صورة فضائية لعمليات تجميع الرمال والحصى من أحد المواقع على شاطئ الشقيفات تمهيدًا لبيعها (سيريا انديكيتور – خاص)

تتم عمليات التجميع والنقل دون أي اعتراض أو تدخل من جهة رسمية أو أمنية، مثل مديرية الموانئ، وهو ما أكده الحارس الذي تحدث إليه التحقيق، مشيراً إلى أن التعديات تحصل “في وضح النهار أيضاً”.

ماذا يقول القانون؟

يتكون الساحل السوري  (طوله 183 كلم) من جزءين، صخريّ، مع أجزاء رملية قصيرة من شمال اللاذقية إلى الحدود التركية، ورمليّ، مع أجزاء صخرية قصيرة تمتد من جنوب اللاذقية إلى الحدود اللبنانية، وهذا يعني أنّ اﻷماكن التي يمكن الحصول منها على رمل بحري ليست قليلة.الشواطئ السورية ملكية عامة لا يجوز إجراء أي تغييرات عليها لما في ذلك من ضرر على البيئة البحرية، كما لا يجوز استملاكها أو التصرف بها وفقاً للمادة 3 من القانون رقم 65 الصادر العام 2001، والمادة 9 من القانون ذاته تنص بوضوح على أنّ أي استثمار موافق عليه رسمياً لا يجوز أن يتسبب بأي ضرر للبيئة البحرية، وكذلك المادة 16 /ج التي تنص على منع استجرار رمال الشاطئ من اﻷملاك العامة بأي شكل كان، والمادة 26، وغيرها من الإشارات الواردة في ذلك القانون.

الخصوصية والأسعار

يقول المهندس علي حمود، العامل في مديرية الموانئ في اللاذقية، إن “جزءاً من الرمال التي تضع السلاحف بيضها فيها في منطقة الشقيفات هي من نوع الرمال السوداء، وهذه الرمال هي اﻷكثر مثالية لوضع السلاحف بيضها؛ في نفس الوقت الذي تتميز فيه بجودتها وقدرتها الكبيرة على الصمود بوجه العوامل الجوية، وخاصة المناطق المواجهة للبحر، وهي بالتالي مناسبة جداً للبناء”.

وتعتبر الرمال البحرية أفضل من تلك المنتجة في البر أو المنتجة من تكسير الحصى وجرشها، ووفقاً ﻷبحاث عالمية وأخرى محلية، فهي تتميز بقدرتها العالية على التماسك والقوة والالتصاق، عدا تكوينها من  من نسبة عالية من مادة الكوارتز المعدنية (ثاني أكسيد السيليكون)، “وهو ما يعطيها أهمية تجارية وعمرانية خاصة”، بحسب المهندس علي.

وتجري عمليات نقل الرمال عبر سيارات وشاحنات خاصة غير تابعة لشركة أو متعهد خاص، وكما وثقنا في مقطع فيديو مرفق، فإنّ عمليات الشراء والبيع تحصل بجوار منطقة التجريف ودون خوف من أحد، أو اتخاذ إجراءات احترازية.

على مدى شهرين، تابع التحقيق حركة نقل الرمال، إذ تقوم الشاحنات، يومياً، بنقل الرمال من المنطقة، وتتسارع عمليات التعبئة في الفترة الصباحية.

تم رصد شاحنة تحمل لوحة محافظة ريف دمشق، دون أن يعني ذلك أنها تنقل الرمال إلى هناك، ووفق مسارها الذي تابعه التحقيق حتى اﻷوتوستراد الدولي، فإنّ اتجاهها كان نحو جهة مدينة جبلة وبانياس أو طرطوس وريفها، كما يمكن أن تكون باتجاه اللاذقية.

بسؤال أحد متعهدي البناء في مدينة اللاذقية عن مصادر الرمال اللازمة لعمليات البناء له، أجاب، “إنّ المصدر متنوع، من بانياس والشقيقات، ومن مصادر أخرى”، وتتم هذه العملية عبر اتصالات هاتفية مع أشخاص يسيطرون على محطات لتجميع الرمل والبحص، ووفق المتابعة فقد وجدنا ثلاث محطات، اﻷولى في ساحة الحمام (شمال شرق اللاذقية)، والثانية ليست بعيدة من هذه قرب كازية سقوبين، أما الثالثة فتقع على مدخل اللاذقية جهة منطقة الضاحية الجنوبية.

سيطرة ورثة مخلوف على المنطقة، وعلى تجارة الرمل والبحص، واحتكارهم إياها، أدّت إلى رفع  سعر المتر المكعب من الرمل، والتحكم بتجارته على امتداد الساحل السوري، فقد وصل سعره اليوم إلى أكثر من 30 ألف ليرة سورية (ثمانية دولارات) من أرضه، تصل إلى حيث يريد المشتري.

ويقول أصحاب شاحنات وتجّار صغار لمعدي التحقيق، إنّ سعر الشحنة الواحدة بسعة عشرين متراً مكعباً في اللاذقية أو جبلة، يبلغ مليوناً ونصف المليون ليرة سورية، بعد إضافة رشاوى (إتاوات) الحواجز على الطرقات.

أضرار تراكمية

تتسبب عمليات تجريف الشاطئ الرملي المستمرة منذ سنوات في الشقيفات وتحت أعين السلطات، بالعديد من الأضرار التراكمية، ويمتد تأثيرها إلى المحيط البري والبحري بالنظر إلى أن فعل التجريف الذي حذر منه برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، ووضع خطة عمل لمنعه، هو أثر غير عكوس ويحتاج مئات السنوات كي يستعيد وضعه السابق. وهذا يقود إلى تقدم البحر باتجاه البر على مدار الزمن، متسبباً في التهام مساحات من الأراضي الشاطئية البرية، وهي موئل حيوية لكائنات حية كثيرة، على أن هذا الضرر ليس الوحيد.

في منطقة شاطئ الشقيفات بالتحديد، يزيد ضرر التجريف إلى أذى من نوع أسوأ وأخطر، فهذه المنطقة تمتلك خصوصية مختلفة، لوحظت في البحث العلمي والبيئي الذي أجرته جامعة تشرين المحلية ومنظمات بيئية محلية وعالمية منذ أكثر من عشرين عاماً، دون أن يغيّر ذلك شيئاً لمصلحتها، لا بل على العكس، ارتفعت وتيرة تجريف الرمال والحجارة والحصى خلال سنوات اﻷزمة السورية بشكل ملحوظ.

وتزيد أضرار ومخاطر عمليات التجريف بحكم أنّ “ملاءة الرمال ليست عميقة عموماً على الشاطئ السوري”، وفق المهندس علي حمود من مديرية الموانئ.

 هل من حلول؟

على مدار عقود، حاول العديد من الناشطين البيئيين إيجاد حلول لمسألة تجريف الرمال التي تؤدي إلى تدمير مواقع أعشاش السلاحف وإباضتها، وقام نشطاء بمبادرات فردية بنقل بيوض السلاحف ووضعها في أمكنة آمنة حتى تم تفقيسها، ثم نقلها بالتعاون مع أصدقاء إلى البحر على مدار السنوات الماضية.

ناشط بيئي يقوم بجمع بيض السلاحف من شاطئ الشقيفات لحمايته من العبث (سيريا انديكيتور – خاص)

طرح النشطاء ومعهم أساتذة في جامعة تشرين فكرة تحويل “الشقيفات” إلى محمية بيئية، بعمق بحري مناسب لحماية السلاحف من التعديات عليها، سواء التجريف أو التفجير بالديناميت، مع ملاحظة أنه لا يوجد في منطقة جبلة أي محمية برية أو بحرية، على رغم غنى المنطقة بما يستوجب جعلها محميةً، وفق حديث أحد أساتذة الجامعات التقاه التحقيق.

وقال دكتور مختص بالبيئة البحرية، تم إغفال اسمه لأسباب تتعلق بسلامته، “إن المنطقة شبه مجهّزة طبيعياً، ولا تحتاج ﻹضافات بشرية عليها سوى تسويرها”، وأضاف أن وجود إدارة للمنطقة تعمل على استثمارها في السياحة “هو أمر ضروري”، يمكن أن تقوم به وزارة الزراعة أو البيئة أو كليهما معاً، ويحتاج تنفيذ ذلك إلى وضع خطة من النشطاء البيئيين.

وتابع، أن وضع الشقيفات كمحمية بيئية بحرية وبرية، “يخلق بيئة مثالية لتكاثر السلاحف بشكل طبيعي، وبيئة مثالية مناسبة للصيد البشري وبأنواع ذات جدوى اقتصادية”، إضافة إلى خلق فرص عمل في المحمية تكون مداخليها من السياحة المتوقعة إلى المنطقة، وتؤدي المحمية إلى “استعادة البيئة المحلية لوظائفها” بما في ذلك “السباحة البشرية” التي لا تؤثر في التكاثر ووضع البيض وغيرها من النشاطات، وذلك من خلال قليل من العناية والاهتمام.

على الجانب اﻵخر، وفي ظل الظروف الراهنة في سوريا، يتوقع أن تبقى فكرة إنشاء المحمية حبيسة اﻷدراج، لذلك يجب التفكير جزئياً بتوعية الصيادين بالدرجة اﻷولى للمخاطر التي تتعرض لها السلاحف، مع الاستجابة إلى “هواجس حياتية ويومية ليس حلها بتلك الصعوبة”، بمساعدة  الصيادين الذين يفترض أن يهتموا بالمحافظة على مصدر رزقها، بحسب المختص.

تحقيق: حازم مصطفى – اشراف: علي عيد

المقالات ذات الصلة