Call us: +3 (800) 2345-6789 | 7 Days a week from 9:00 am to 7:00 pm

الجيش التركي يغتصب ملكيّات خاصة في الشمال السوري

عقود إيجار "صوريّة".. واستيلاء قسري
يحضر الجيش التركي في الشمال السوري عبر 125 نقطة عسكرية، العديد منها أُتشئت في ملكيّات خاصة وانتهكت حقوق أصحابها عنوة

يستقصي التحقيق انتهاك الجيش التركي ملكيّاتٍ خاصة في الشمال السوري، نتيجة تمركُز قواعد، ونقاط مراقبة تركية في أراضٍ زراعية وقّع أصحابها ما يُفترض أنها عقود تأجير لكن لم يحصلوا بموجبها على أي شيء، وأخرى سيطرت عليها عنوة من دون تعويضات مالية، ما ألحق خسارات اقتصادية فادحة بأصحاب الأراضي، وباقتصاد المنطقة عموماً.

لم يحصل مصطفى المصطفى على ليرة واحدة مقابل تأجير أرضه الزراعيّة للجيش التّركي قبل سنوات، رغم أنّه وقّع عقداً كان ينبغي أن يقبض بموجبه 700 دولار سنويّاً مقابل الدونم الواحد، ما يعني مبلغاً إجماليّاً يراوح بين 23 و24 ألف دولار سنويّاً، وفق مصطفى. شغلت القوات التركيّة الأرض لمدة عامين ونصف العام، (من نيسان 2018 إلى تشرين الأول 2020)، منها سبعة أسابيع قبل توقيع العقد، ثم نحو عامين وأربعة أشهر بعد توقيعه.

“كان إنتاج الأرض من الزيتون والفستق الحلبي يسد حاجة عائلتي، مساحتها نحو 80 دونماً، في كل دونم 18 شجرة. كانت الأرض تعطيني 300 كيلو من المحصول أو أكثر، حسب الموسم”، يقول مصطفى (43 عاماً) متحسّراً على مصدر الرزق الوحيد لعائلته المكونة من سبعة أفراد.

يحضر الجيش التركي راهناً في مناطق واسعة من الشمال السوري، عبر 125 موقعاً عسكريّاً، من بينها 12 قاعدة، و113 نقطة، وفق مركز جسور للدراسات. معظم هذه المواقع تأسست إثر عمليات عسكرية تركيّة يُعتقد أنها استندت إلى توافقات غير معلنة عبر مسار “أستانا”، فيما نصت اتفاقات معلنة على إنشاء 12 نقطة مراقبة كان يُفترض بها أن تراقب تنفيذ خطوات خفض تصعيد وفتح طرق ومعابر، قبل أن تتغير الظروف ويُعطّل التنفيذ وتُفكك أنقرة بعض النقاط، وتحتفظ بأخرى.

وفضلاً عن الانتهاك الذي تعرضت له ملكية مصطفى، وملكيّات آخرين من أصحاب الأراضي الزراعية في الشمال السوري، تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة لأنها قامت على أرضية من التوافقات بين أطراف خارجية منخرطة في النزاع المسلح في سوريا، ما يعطّل الدور المفترض للقضاء في حل المنازعات العقاريّة، ويؤثر جوهريّاً على فرص إعادة سيادة القانون وتعزيزها في البلاد.

“أستانا” تمهّد الطريق

في العام 2017، أفضى مسار “أستانا” الذي انخرطت فيه روسيا وتركيا وإيران إلى إبرام اتفاق “خفض التصعيد” القاضي بإقامة أربع مناطق آمنة في سوريا لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد، بغية “الحد من الأعمال العدائية”، ما يسمح بتقديم المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لحل سياسي شامل، يترافق مع وقف إطلاق النار في إدلب وحمص والغوطة الشرقية، وأجزاء من محافظتي درعا والقنيطرة في المنطقة الجنوبية السورية.

أدى الاتفاق إلى خفض مؤقت للأعمال العدائية في بعض المناطق بالفعل، لكن ظلّ الوضع العسكري معقداً ومتقلباً، ولم تؤسس “أستانا” لأي استقرار طويل الأمد كما كان مرجوّاً منها، فيما أنشأت أنقرة 12 نقطة مراقبة عسكرية داخل مناطق “خفض التصعيد” بوظائف محددة، وضمن مواقع جغرافية استراتيجية عززت تدريجاً النفوذ التركي.

نقاط المراقبة التركية في سوريا

نقطة المراقبة التاسعة

في 7 نيسان/أبريل 2018 أنشأ الجيش التركي نقطة مراقبته التاسعة، في بلدة مورك بريف حماة الشمالي لتكون أبعد نقطة عن الحدود التركية بمسافة 88 كيلو متراً.

تبعد تلك النقطة 12 كيلو متراً عن مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، على أطراف الطريق الدولي (M4) الذي يربط بين محافظتي حلب واللاذقية، وكان من المفترض أن تفضي التوافقات إلى فتح هذا الطريق.

بعد إنشائها بنحو شهرين، وتحديداً في 1حزيران/يونيو 2018 وقّع مصطفى عقداً يؤّجر بموجبه أرضه لنقطة المراقبة التاسعة مدّة سنة كاملة قابلة للتمديد، مقابل 700 دولار أميركي سنوياً للدونم الواحد، بحسب ما حدده البند الثالث من العقد.

في 23 آب/أغسطس 2019 حصل ما لم يكن في حسبان مصطفى، إذ حاصرت القوات الحكومية السورية نقطة المراقبة التاسعة، عقب سيطرتها على مدينة خان شيخون والقرى والبلدات المحيطة بها.

جاءت تلك التطورات إثر تصعيد عسكري، وتراشق في الاتهامات بين دمشق وأنقرة بخرق اتفاقات وقف التصعيد، وسرعان ما باتت القوات التركية المتمركزة في مورك معزولة تماماً عن مناطق سيطرة فصائل المعارضة.

استمرّ الوضع على ذلك المنوال حتى 20 تشرين الأول/أكتوبر 2020، حين أنهى الجيش التركيّ تفكيك نقطة المراقبة التاسعة، وسحبِ القوات والمعدات تحت إشراف روسي.

عقد إيجار نقطة المراقبة التركية التاسعة
مصطفى فواز المصطفى داخل منزله في مخيم “مورك” شرقي كللي، يحمل النسخة العربية من عقد تأجير أرضه لنقطة المراقبة التركية – 5 تشرين الثاني 2023 (سيريا انديكيتور – خاص)

“فيلق الشام” يتنصّل

يروي مصطفى لـ”سيريا انديكيتور” تفاصيل خساراته التي وقعت على مراحل: “أخذوا في البداية 15 دونماً، ثم أخذوا عشرة دونمات، وقطع الجيش التركي من أرضي 120 شجرة فستق حلبي، ونحو 40 شجرة زيتون من أجل إقامة سواتر ترابية، بالإضافة إلى تجريف الأرض”.

لم يكن العقد يخوّل الجيش التركي قطع الأشجار ولا تجريف الأرض، راجع مصطفى في حينها الضابط التركي المسؤول عن نقطة المراقبة، “أكد لي أنني سأحصل على تعويض مقابل كل ضرر لحق بالأرض، لكنهم لم يفوا بوعودهم، والأرض صارت ميتة”، يقول.

ينصّ البند الخامس من العقد على أن يُعيد المستأجر (الجيش التركي) العقار للمؤجّر وفق الحالة التي كان عليها، و”خاصة إزالة السواتر، تحت طائلة تعويض الضرر”. وحتى ساعة نشر هذا التحقيق، لم يحصل الرجل على أي مقابلٍ مادي، ولا أي تعويض عن التخريب الذي طاول الأرض، بل ولا حتى على نسخة من العقد موقعة من وزارة الدفاع التركية.

صور توثق جانباً من التخريب الذي أحدثته القوات التركية في أراضي المزارعيين السوريين
مصطفى داخل منزله في مخيم “مورك” شرقي كللي يحمل واحدة من صور عديدة بحوزته توثّق جانباً من التخريب التي لحق بأرضه وجعلها “ميتة” – 5 تشرين الثاني 2023 (سيريا انديكيتور – خاص).

يشرح مصطفى ظروف تأجير الأرض قائلاً: “بعد أن اختار الجيش التركي أرضي لإقامة نقطة المراقبة فيها، جاءتني لجنة مؤلفة من 6 تجار، ثلاثة من مورك، وثلاثة من خان شيخون، لتقييم الأرض وما تنتجه سنوياً، ثمّ كتبت عقداً مع قادة من فيلق الشام، على أن يرسلوه إلى القيادة في تركيا للتصديق عليه”. لاحقاً رحل مصطفى مع المهجّرين إلى كللي (ريف إدلب الشمالي)، و”سيطر النظام على ريف حماه، وضاع حقي”.

وفق مصطفى، كان “فيلق الشام” وسيطًا بينه وبين الأتراك، ولذلك حاول الرجل أن يكون “الفيلق” طرفاً في حل المشكلة. يقول: “ذهبت إلى الشيخ عمر حذيفة، وذهبت إلى كثر من القادة في الفيلق، لكن لم يستطع أحد منهم الوصول إلى أي حل”.

سأل “سيريا انديكيتور” الشيخ عمر حذيفة، “مسؤول المكتب الشرعي لفيلق الشام”، عن الأمر، فأجاب: “مرة واحدة عُرضت عليّ القضية لأتدخل فيها، ولكنني لم أستطع التدخل لأن أحد طرفيها الأتراك”، وأضاف: “هذا الأمر أعتقد أنه يتبع للمكتب القانوني إن كان لديهم معلومات حول ذلك”.

يحمل العقد ملاحظة مكتوبة بخط اليد تقول إن “العقد وُقّع بحضور رئيس المكتب القضائي، وقائد القطاع في حماة لفيلق الشام”، وتحتها توقيع وختمٌ دائريّ غير مقروء.

تَواصل فريق التحقيق مع رئيس المكتب القانوني لـ”فيلق الشام”، أحمد دلو، الذي نفى تدخل “الفيلق” في عقود إيجار الأراضي الزراعية لاستخدامها من قبل نقاط المراقبة التركية، وأضاف: “ربما كانت الوساطة من قبل أشخاص في الفيلق بشكل غير رسمي، نحن في المكتب القانوني لا علم لنا بأي من هذه الوساطات. حين يكون تدخّلنا رسمياً نضع أختامنا الخاصة على أي عقد يكون بإشرافنا أو نكون وسطاء فيه، في العام 2019 عُرضت علينا القضية للتدخل فيها، ولم نتدخل لأن لا علاقة لنا بالأمر”.

شُكّل “فيلق الشام” في 10 آذار 2014، من 19 فصيلاً وجماعة إسلامية معارضة، وعملت هذه المجموعات على مساحات واسعة من الأراضي السورية، ابتداء من محافظة حلب شمالًا، وصولًا إلى العاصمة دمشق. يتبع “الفيلق” حالياً لـ”الجبهة الوطنية للتحرير”، التابعة بدورها لـ”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا.

في تشرين الأول 2015، خلُصت دراسة لمعهد ” the Study of War” إلى أن “فيلق الشام أحد سماسرة السلطة” في سوريا، ويتلقى دعمه خارجياً من تركيا أولاً، ثم قطر، يليهما “الإخوان المسلمون”.

حسبَ تقرير لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، رافق عناصر من “الجيش الوطني السوري” عمل نقاط المراقبة التركية، معظم أولئك العناصر من “فيلق الشام”، وتولّوا حماية النقاط التركية من الخارج، والتنسيق بين القوات التركية والمدنيين عند الحاجة، و”يتقاضى العنصر الواحد في الفصيل مقابل هذه الخدمات مبلغ 600 ليرة تركية شهرياً”.

عقد إيجار الأرض الزراعية بين مصطفى فواز المصطفى والحكومة التركية
عقد إيجار الأرض الزراعية بين مصطفى فواز المصطفى ونقطة المراقبة التركية التاسعة، بالنسختين العربية والتركية (سيريا انديكيتور – خاص).

طرق القانون “مسدودة”

حاول مصطفى مراراً مقابلة “والي عفرين”، وراجع نقاطاً تركيّة عديدة، وبعدما فقد الأمل في الوصول إلى حل عبر وسطاء، فكّر بتوكيل محامٍ في الشمال السوري، للسير في الإجراءات القانونية والمطالبة بحقوقه. من الممكن توكيل المحامي بإجراءات بسيطة، غير أنّ قدرته على التحرك محدودة للغاية، وعمل المحامين والتوكيلات والمرافعات محصور بقضايا محليّة بحتة في شمال غربي سوريا.

يوضح لنا المحامي فؤاد يازجي الذي استشاره مصطفى في القضية أن عقود الإيجار وفق القانون المدني السوري “تنعقد بمجرد توافر الرضا وإرادة الطرفين، أيًا تكن الوسيلة التي اختارها المتعاقدان للتعبير عن إرادتيهما، كالكتابة في هذه الحالة، لتترتب بمجرد انعقادها التزامات على عاتق المتعاقدين”.

لكن في هذه القضية “كان من المفترض وجود ممثل عن مصطفى هي الدولة السورية، لأنه يتعامل مع حكومة دولة أجنبية تريد إقامة قاعدة عسكرية أجنبية على أرضه الزراعية”. لكن ما حصل على أرض الواقع “تصرفات فردية غير رسمية، ضمن شروط إذعان بإشراف الفصائل المسلحة” وفق يازجي.

أما الأشد تعقيداً فهي آليات التقاضي، ونطاق ولاية القضاء. يشرح يازجي: “أنت بصدد مخاصمة النقطة العسكرية التركية التاسعة، ممثلةً بوزارة الدفاع التركية التي لم توقع على العقد حتى الآن، ويجب أن ترفع الدعوى في محلّ وجود العقار، وأمام محكمة عسكرية لأن أحد الطرفين عسكري، هنا أنت تحتاج إلى محاكم في الشمال السوري لديها سلطة قضائية وقانونية معترف بها لدى تركيا، وهذا أمر غير موجود حتمًا”.

ماذا يقول القانون التركي؟

في مطلع تشرين الأول 2014، صادق البرلمان التركي على القرار رقم 1071، الذي يفوض الحكومة بإرسال قوات عسكرية تركية إلى دول أجنبية للمشاركة في عمليات عبر الحدود لحماية الأمن القومي التركي من أي خطر أو تهديد أمني، لمدة عام قابلة للتمديد، وفقًا للمادة 92 من الدستور التركي، واستنادًا إلى القانون الدولي، وحق الدفاع عن النفس الناشئ عن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

“يحق لصاحب الأرض تحصيل الإيجار المتفق عليه عن طريق رفع دعوى Madi ve manevi tazminat (دعوى التعويض المادي والمعني) والمطالبة بأجر المثل لأرضه، عن طريق محاكم الصلح والمحاكم الإدارية التركية، ووزارة الدفاع مجبرة على دفع الإيجار”

المحامي التركي يلدرم قصاب باشي

بريد إلكتروني مُرسل إلى وزارة الدفاع التركية
صورة توثّق رسالة فريق التحقيق إلى وزارة الدفاع التركية عبر البريد الإلكتروني (سيريا انديكيتور – خاص).

يقول المحامي التركي يلدرم قصاب باشي لفريق “سيريا انديكيتور”، إن القوات المسلحة التركية يحق لها التدخل العسكري لعمق 5 كيلومترات شمالي سوريا، بموجب الملحق رقم 4 لـ اتفاقية أضنة الأمنية التي أبرمت العام 1998 بين دمشق، وأنقرة (بينما أرض مصطفى تبعد نحو 90 كيلومتراً).

تواصل “سيريا انديكيتور” عبر البريد الإلكتروني مع وزارة الدفاع التركية، للسؤال عن مدى التزامها بحماية حقوق أصحاب الأراضي الزراعية، وتعويضهم عن الأضرار الاقتصادية التي تكبدوها نتيجة تحويل أراضيهم نقاطَ مراقبة وقواعد عسكرية، وكيفية تنظيم وضبط عملها العسكري في تلك الأراضي، ووفق أي منهجية، ولم نتلقّ أي ردّ حتى لحظة نشر هذا التحقيق.

“الأرض أرضنا”

بعد فشل “أستانا” في ضمان خفض التصعيد العسكري، اتسع نطاق نشر نقاط المراقبة التركية في شمالي سوريا بشكل ملحوظ، تحت ستار “مخاوف أنقرة بشأن أمن حدودها، وتوسع الخطر الكردي”.

بين منتصف العام 2022 ومنتصف العام 2023، حافظت تركيا نسبياً على عدد مواقعها العسكرية في سوريا البالغ 125، وفق “مركز جسور للدراسات”، وتقع معظم هذه النقاط في محافظة حلب. (57 موقعاً).

صورة توثق جانباً من آثار قطع وتجريف أشجار الفستق الحلبي في قرية كلجبرين على يد القوات التركية (سيريا انديكيتور – خاص).

في أواخر 2017، خلال عملية إعادة نشر وتوزيع القوات التركية في اعزاز بريف حلب الشمالي، تمركزت نقطة مراقبة تركية في قرية كلجبرين، من دون موافقة المُلّاك، الذين طالبوا بإخلاء أراضيهم، لكنّ طلباتهم قوبلت برفض تركي.

يقول أحد أصحاب الأراضي المتضررين: “لم أؤجر الأرض لأي جهة، أخذ الأتراك الأرض بالقوة”.

يشرح لـ”سيريا انديكيتور”، مشترطاً عدم ذكر اسمه لمخاوف أمنيّة أن “مساحة أرضي 40 دونماً، أخذوا نحو خمسة دونمات، وقطّعوا في المساحة الباقية نحو 900 شجرة فستق حلبي، ونحو 400 شجر كرز وكرمة لإشادة سواتر ترابيّة”، ويضيف: “تواصلنا مع المسؤول، فقال لنا: لا تقلقوا سيتم تعويضكم.. تكرر الأمر في عشرات الأراضي، لكن الكل يخاف التحدث مع الإعلام”.

يقدر الرجل خسارته بـ15 ألف دولار سنويّاً. “كانت الأرض تكفي خمس عائلات، قطعوا أشجاراً عمر واحدتها 35 عاماً، يعني من عمري، فالأرض أرضنا أباً عن جد”.

تتطلّب إعادة زراعة أشجار الفستق الحلبي ظروفاً دقيقة، تشمل متطلبات مناخية مثل الصيف الطويل أو الشتاء الدافئ، فضلاً عن توفير الري المنتظم، والتسميد الملائم لضمان نمو جيد وإنتاجية مرتفعة، ووقاية عالية من الأمراض الفطرية والآفات الحشرية. وعلاوة على ذلك تحتاج صبراً طويلاً قد يمتد سنوات كي تبدأ بالإثمار. “نحاول زراعة القسم المتبقي من الأرض بشجر الفستق الحلبي، هناك خمسة دونمات ضمن القاعدة التركية حفروا فيها خندقاً، وبالتالي لم تعد صالحة للزراعة”، يقول صاحب الأرض.

المساحات المُنتهكة “مجهولة”

قبل دخول القوات التركية أيّ منطقة في الشمال السوري، ترسِل فريق كشف عسكري وهندسي وطبوغرافي متخصص، وفق ما يشرحه لنا خبير عسكري يقيم في المنطقة، طالباً عدم الكشف عن اسمه. يمسح الفريق المنطقة بشكل عام، ثم يحدد أهم النقاط الاستراتيجية فيها. بعدها “يأخذون المنطقة ويبدؤون عمليات تحصين كبيرة، يدخلون معدات ضخمة، يحفرون أنفاقاً تحت الأرض، يحفرون بئر مياه في كل قاعدة كبيرة، بالإضافة إلى مصافي المياه، وخزانات الوقود”.

اعترضت العمل على هذا التحقيق معوقات عديدة، منها ما يتعلق بالضحايا، والشهود، وحجم المعلومات المتوافرة، فضلاً عن الظروف التي وقعت فيها الانتهاكات، من عمليات عسكرية، ونزوحٍ جماعي، وهيمنة أمرٍ واقع.

أغلب الشهود في هذا التحقيق يميلون إلى الامتناع عن إعطاء معلومات كاملة، نتيجة الخوف من الجهة التي اعتدت على أراضيهم، أو عدم ثقتهم وإيمانهم بتحقيق العدالة لقضيتهم، بعد تجاهلها طويلاً من قبل سلطات الأمر الواقع في المنطقة، ما أفضى إلى تكريس شعور جمعي عند كثير من ضحايا انتهاكات الملكية العقارية في الشمال السوري، مفاده أن “آمال تحقيق المساءلة بعيدة المنال”.

نجح فريق التحقيق في إقناع مسّاح أراضٍ يقيم في مدينة إدلب بالتحدث حول القضية، لكنه اشترط عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية. يعمل الرجل في إجراء القياسات وتقديم البيانات والمعلومات اللازمة حول شكل الأراضي في المنطقة، لكن “عندما يأخذ الأتراك إحدى الأراضي الزراعية الخاصة بشخص ما، يمنعون الاقتراب من هذه الأرض، ولا نستطيع العمل حتى في الأراضي المجاورة لها، بالتالي، هناك صعوبة في تقدير مساحة الأراضي المستولى عليها من قبلهم”، يقول.

بناء على ملاحظته ومعايشته لتفاصيل القضية، يعتقد المسّاح أنه “لو كان القرار للأهالي، فلن تجد أي شخص يقبل الاستغناء عن أرضه”، ويضرب مثالاً مدينة بنّش في ريف إدلب الجنوبي، حيث “كثرٌ لا يريدون سوى استعادة أراضيهم التي أُخذت مثل الاحتلال”. يشرح الرجل أيضاً تعقيداً إضافيّاً مفاده أن “الأتراك اختاروا من كل أرض جزءاً لتشييد نقاط المراقبة”، ما يعني في حالات كهذه أن النقطة الواحدة تنتهك ملكيات عديدة.

خسارات بملايين الدولارات

يُشكل قطاع الزراعة مكّوناً مهماً من مكونات الاقتصاد السوري، ومصدرَ دخلٍ أساسياً لآلاف الأسر من فئة الفلاحين الواسعة في تركيبة المجتمع السوري.

بحسب “الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية” السورية، تبلغ مساحة سوريا 18.5 مليون هكتار، وتشكل المساحة القابلة للزراعة ومساحة الغابات نحو 6.5 مليون هكتار، أي 32.8% من المساحة الإجمالية للجغرافيا السورية، ويشتغل في الزراعة نحو 20% من السوريين.

في العام 2017 قدّرت “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (فاو) قيمة  الخسارات الناتجة عن تضرر القطاع الزراعي بسبب النزاع المسلح بنحو 16 مليار دولار، فيما تبلغ القيمية التقديرية للأضرار التي لحقت بالأصول الزراعية، ووسائل الإنتاج من معدات ومزارع وعيادات بيطرية وحظائر الحيوانات، والبيوت البلاستيكية، وأنظمة الري بأكثر من 3 مليارات دولار، أما الخسائر التي لحقت بإنتاج المحاصيل فنحو 6.3 مليار دولار.

مناطق الانتهاكات الموثقة في هذا التحقيق هي من المناطق الزراعية الأعلى خصوبة في البلاد، مع محاصيل مهمّة كالزيتون، والفستق الحلبي.

يُقدّر أحد مزارعي وتجار الفستق الحلبي في مورك مساحة الأراضي الزراعية في المنطقة بنحو 65 ألف دونم، 98% منها مزروعة بالفستق الحلبي، وعادة ما تُزرع 16 شجرة في الدونم الواحد وسطياًّ، وقد دُمّر نحو 20 ألف دونم من تلك الأراضي. أما تقديرات الإنتاج فتشير إلى نحو 30 كيلوغراماً للدونم الواحد وسطيّاً في كل موسم، فيما يراوح سعر الكيلوغرام الواحد من الفستق الحلبي بين 3 و5 دولارات،

أما في مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي، فتقدر الأراضي الصالحة لزراعة الفستق الحلبي بـ 10% من مساحة الأراضي الزراعية الكلية، تضرّر منها نحو 250 دونماً، بحسب ما قاله مهندس زراعي مقيم في المنطقة لـ”سيريا انديكيتور”. تُزرع في الدونم الواحد وسطيّاً 25 شجرة، ويراوح إنتاج الشجرة بين 10 و20 كيلوغراماً في الموسم الواحد، فيما يراوح سعر الكيلو غرام الواحد من محصول الفستق الحلبي بين 5 و8 دولارات. وهذا يعني “أن خسائر المزارعين لا تقل عن مليون دولار”، وفق تقديرات المهندس الزراعي الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية.

من المخوّل بالمحاسبة؟

تدين حكومة النظام السوري باستمرار التدخل العسكري التركي في الأراضي السورية، وتصفه بـ”الاحتلال والعدوان” ضمن “أعمال عدائية تنتهك قرارات مجلس الأمن الدولي، وتفاهمات أستانا، ونتائج مؤتمر سوتشي التي تؤكد احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها”. في العام 2019، قال المندوب السوري السابق في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، إن تركيا أدخلت آلاف الجنود والمعدّات والأسلحة إلى إدلب، وعدّ ذلك “انتهاكاً لتفاهمات أستانا التي تنص على السماح بإنشاء 12 نقطة مراقبة تركية للشرطة، لا يتجاوز عدد عناصرها 280 شرطيًاً”.

في هذه الحالة، ووفق القانون الدولي، لا يحظى التدخل التركي بالشرعيّة، وتنطبق عليه معايير سلوك قوة الاحتلال. هذا يعني أن القوات المسلحة التركية ملزمةٌ باتخاذ جميع التدابير الممكنة، لتجنب الخسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الضرر بالممتلكات العقارية المدنية، مع التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في القانون الدولي في كل نشاط يتعلق بالعمليات العسكرية، والأساليب المتبعة في بناء تحصيناتها، بحسب ما يوضحه الحقوقي السوري محمد العبد الله لفريق التحقيق.

و”بصفتها قوّة احتلال، على السلطات التركية ضمان عدم قيام مسؤوليها ومَن تحت قيادتهم بالتعدي على أي ملكية مدنية خاصة لأغراض عسكرية، ما لم يكن ذلك مقابل تعويض عادل وواضح ومحدد برضا أصحاب تلك الممتلكات الخاصة”، يوضح العبد الله، ويضيف شارحاً: “حين يتم تصنيف الوضع قانونياً على أنه احتلال، يدخل القانون الدولي الإنساني حيز التنفيذ، ولا يتعلق القانون الدولي الإنساني بقضايا شرعية الاحتلال، بل بسلوك أطراف النزاع، وبالحماية التي يوفرها الاحتلال بموجب الإطار القانوني المعمول به”.

الاتفاقيات الثنائية أو المتعددة الأطراف مثل “أستانا” هي “أقل صلة بانتهاكات السكن والأراضي والممتلكات، خاصة إذا كانت الأرض محل خرق لالتزام تعاقدي، وبالتالي، فإن سلوك الاستيلاء على الأراضي الزراعية الخاصة مع وعد كاذب بالتعويض من خلال عقد غير مستند لأي شرعية معترف بها من قبل أحد الأطراف، هو انتهاك للقانون الدولي الإنساني”

الحقوقي محمد العبد الله

ومع ذلك، يشير العبد الله إلى نقطة مهمة، وهي أن “تحديد السلوك وتصنيفه قانونياً على أنه انتهاكٌ شيء، والمساءلة عن هذه الانتهاكات شيء آخر. وتكون المحاكم المحلية (السورية) في الأراضي المحتلة هي السلطة القضائية المختصة الأولى، أو بدلًا من ذلك أي محكمة عاملة (مستقلة/ محايدة) تعقدها قوة الاحتلال داخل الأراضي المحتلة السورية”. وبعد ذلك، “يمكن تقديم استئناف ضد السلطة المُحتلّة، بما في ذلك أمام المحاكم التركية، إذا لم يتم التوصل إلى العدالة المطلوبة في المحكمة الابتدائية”.

أما إذا استُنفدت جميع سبل الإنصاف المحلية، أو ثبتت استحالة القيام بذلك، يوصي الحقوقي باللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، “لأن تركيا طرف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إلا أن فرص نجاح ذلك ضئيلة للغاية”.

يختتم العبد الله كلامه بالإشارة إلى وجوب “ضمان عدم حدوث نهب للممتلكات الخاصة أو الاستيلاء عليها بالقوة من أجل الاستخدام الشخصي، فهذا محظور بموجب قوانين الحرب، ويمكن أن يشكل جريمة حرب. ليس مسموحاً للمقاتلين الاستيلاء على الممتلكات للاستخدام الشخصي، بما فيه إسكان عائلاتهم، وتحظر قوانين الحرب أيضاً تدمير الممتلكات غير المبرر بضرورة عسكرية، أو من دون تعويض عادل”.

بحسب فريق منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” القانوني، فإن المشرّع السوري سكت عن حالة إشغال العقار أو سلب الملكية من قبل دولة أجنبية، ولم يتعرض القانون السوري لمثل هذه القضايا، لكن “مثل هذه العقود تعتبر باطلة لأنها وُقّعت في منطقة حدودية، وبالتالي كان من الضروري الحصول على الترخيص المطلوب وفقاً لأحكام المرسوم 49 للعام 2008 المعدل بالمرسوم 43 للعام 2011، ولأن مالك العقار لم يحصل على الترخيص المطلوب لكون العقار خارج سيطرة الحكومة السورية فإن العقد باطل أصلاً”.

بهذا يغدو وجود القواعد العسكرية التركية في الأملاك الخاصة “انتهاكاً لحق الملكية، خاصة بالنسبة للفترة التي يتم إشغالها من دون عقد، أو استمرار الإشغال برغم انتهاء مدة العقد”، وفق المنظمة. وبالتالي، يحق للمالك المطالبة بأجرة العقار وفق ما تم الاتفاق عليه ضمن العقد عن الفترة التي يشملها العقد، “أما الفترة التي تجاوزت فيها الحكومة التركية مدة العقد فيحق للمالك المطالبة بأجر مثل العقار عن تلك الفترة التي تم فيها تمديد الإشغال من دون عقد ومن دون رضا المالك، وأجر المثل يعني مجموع ما تنتجه الأراضي المجاورة لأرض المالك وسطياً، مع الاخذ بعين الاعتبار المساحة والموقع”، بحسب الفريق القانوني للمنظمة، و”قانونياً يحق لمالك العقار المطالبة بأجر المثل حتى عن الفترة التي يشملها العقد لأن العقد باطل أصلًا”.

لكن، وبما أن المحاكم في مناطق الفصائل المعارضة لا تعترف بالمراسيم السورية المتعلقة بتنظيم تملك وتأجير العقارات الحدودية، فـ”يمكن لصاحب العقار المطالبة بأجر مثل العقار عن مجموع مدة الاشغال، المشمولة وغير المشمولة بالعقد”، بحسب المنظمة.

يعود الموضوع للسلطة التقديرية للمحكمة، فقد “تعتبر العقد باطلاً لأنه لم يحصل على الموافقة المطلوبة، ويمكن أن يعتبر العقد صحيحاً لأنه لا يمكن لصاحب العقار الحصول على الموافقة المطلوبة بسبب ظروف الاحتلال وخروج المنطقة عن سيطرة الحكومة السورية، واستحالة الحصول على الموافقة من الحكومة السورية في هذه الظروف”.

تُمكن مقاضاة دولة أجنبية عبر اللجوء إلى المحاكم الدولية من قبل الحكومة السورية، أو حتى من قبل الأفراد السوريين، خاصة أن الحكومة التركية تُعتبر سلطة احتلال، وعليها التزامات واضحة في حماية حقوق المدنيين في مناطق الاحتلال ومنها حق الملكية وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة

منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

تاريخ من التّوتر

اتّسمت العلاقات السورية – التركية بالتوتر لفترات طويلة. شكلت قضية لواء إسكندرون أول عوامل التوتر بين دمشق وأنقرة، بعد أن منح الاتفاق الفرنسي التركي في 29 أيار 1937 حكماً ذاتياً للواء إسكندرون قبل فصل اللواء عن سوريا في 29 تشرين الثاني 1937، وفي أيلول 1938 أعلنت الجمعية التشريعية في الإقليم “استقلال جمهورية هاتاي”، قبل أن يصبح رسميّاً جزءاً من تركيا في حزيران 1939.

في آب 1957، حشدت تركيا آلاف الجنود على حدودها الجنوبية، لمنع الحكومة السورية برئاسة شكري القوتلي من الانحياز إلى معسكر الشيوعية، وانتهت هذه الأزمة بتكثيف سوريا علاقتها مع البلدان العربية، وتوقيع اتفاق الوحدة مع مصر العام 1958.

بلغ التوتر ذروته بين البلدين في العام 1998، حين حشدت تركيا قواتها على الحدود مع سوريا، وهددت باجتياحها إن لم تكفّ دمشق عن احتضان “حزب العمال الكردستاني”، وبالفعل انتهت الأزمة بينهما بتوقيع “اتفاقية أضنة الأمنية“، في العام نفسه.

ما مصير نقاط المراقبة التركية؟

تم إنشاء نقاط المراقبة التركية في الشمال السوري بغية “إقامة مناطق آمنة” وتأمين الحدود التركية، فضلاً عن مراقبة ورصد أي خروقات عسكرية لاتفاق “أستانا” في المنطقة. وتعد هذه النقاط جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية لتركيا، وفق ما يقوله الباحث في الشؤون العسكرية نوار شعبان لـ”سيريا انديكيتور”.

يشرح شعبان أن هناك تصنيفين لنقاط المراقبة التركية:

الأول، نقاط المراقبة العسكرية المتمركزة في محافظة إدلب، بدأ انتشارها في تشرين الأول 2017 في إطار اتفاق “أستانا” ضمن 12 نقطة مراقبة، وبوظائف محددة بموجب الاتفاق. لا يستبعد شعبان حدوث “تحولات في مصير هذه النقاط مع تطورات الاتفاقيات الدولية، وتغير الأوضاع الميدانية، والتأثيرات الجيوسياسية، فقد تتغير الأولويات والتحالفات والاستراتيجيات مع تطور الأحداث”.

أما التصنيف الثاني، فيضم نقاط المراقبة العسكرية في مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”، وقد “اعتمدت تركيا في هذه المناطق على الحضور العسكري المباشر لطرد الوحدات الكردية من حدودها الجنوبية، فبنت عدداً كبيراً من القواعد ونقاط الحراسة لمواجهتها”، وبالتالي فإن هذه النقاط ستظل قائمة ما دامت أنقرة تعتبر أن “خطر النفوذ الكردي قائم”.

تحقيق: صالح ملص - تدقيق وتحرير: صهيب عنجريني - إشراف: علي عيد

المقالات ذات الصلة